Tuesday, May 31, 2011

!سياسة الاستغلال والإرهاب


سياسة  الاستغلال والإرهاب!
كل ما يولد ألاما معنوية نفسية هو إرهاب عنيف في حق الإنسان!
التباس في الكلمة!
بعد التفجيرات العنيفة التي هزت مركز التجارة العالمي وقصف البنتاجون في 11 سبتمبر 2001،  وما تلاها من عمليات دموية في أماكن أخرى من العالم، والولايات المتحدة الأمريكية، بأجهزتها الرئاسية والإعلامية والأمنية والسياسية والعسكرية، تطارد الإرهاب، دون تحديد مفهوم عالمي موحد لمصطلح الإرهاب. ولغويا فقد ألصق وصف "الإرهاب" بالجريمة السياسية، لاعتماد مرتكبيها سبل العنف القاتل والمدمر للحياة العامة البريئة، الفردية أو الجماعية، لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو إيديولوجية، إنها وسيلة ضغط لفرض اكراهات على الحكومات والمؤسسات، ويمكن أن يتجاوز حدود الوطن، ويأخذ صبغة دولية. إنه فعل عنيف دامي، يحمل ازدواجية دلالة "المقاومة والإجرام". وباعتبار أن منفذي عمليات أمريكا من أصول عربية ومسلمة، أصبح الإرهاب ملتصقا بالعربي المسلم، ومن تم فكل إرهاب، في ظل النظام العالمي، نظام القطب الأمريكي، كيفما كان شكله، فالمتهم من عرق عربي وعقيدة إسلامية. وتعمل الحملة الدعائية الأمريكية، بمساندة الغربية، على جعله، داخل ذهنية الرأي العام المحلي والدولي، وحشا همجيا شرسا، وذلك لتعبئة مشاعر العدوانية لمواجهته والقضاء عليه. وفي غياب تعريف قانوني دولي متفق عليه، يبقى مصطلح الإرهاب باهتا، ينتابه اللبس والغموض، لارتباطه بالحق والواجب؛ فمن يرى الحق حقه يراه الآخر تعصبا ، وتطرفا، واعتداء وإرهابا، مما يجعل القيم والمعايير نسبية، تختلف باختلاف المكان والتاريخ والثقافة؛ تنمو وتتطور وتتغير، مما يترتب عنه تأثير فعلي في تشكيل سلوك الفرد والجماعة، كنتاج تفاعل عوامل حيوية ومؤثرات اجتماعية، فتتعارض المواقف من مفهوم الحق والواجب باختلاف الدوافع السياسية والاجتماعية والعقائدية والنفسية، والمتغيرات الظرفية والمكانية؛ وما بين الإلزام، خوفا من عقاب القانون، والالتزام، كقناعة مبدئية خوفا من الضمير، يختزن لبس الكلمة، وتكمن صعوبة تحديد مفهوم عالمي موحد للإرهاب.
العنف و التغيير!
مما لا شك فيه، العنف مرتبط بالوجود الإنساني في صراعه  ودفاعه عن نفسه، والتفوق على غيره، واستمرارية بقائه، فتعددت الأهداف، وتنوعت الوسائل، واختلفت الأساليب باختلاف الاتجاهات النفسية والفكرية والدينية، وتطورت أشكال الإرهاب الفردي والجماعي، المحلي والدولي.. ومع الثورة الفرنسية (1793م) ، التي رفعت شعار "الايخاء - الحرية - المساواة"، تقوت ضرورة العنف الدامي لهدف التغيير الإصلاحي، حيث أعطت للعنف الثوري معنى وطنيا مقدسا، في بعده الاجتماعي والسياسي، كوسيلة ضرورية للقضاء على السلطة المطلقة المستبدة، وتأسيس أسس نشأة الدولة السياسية الحديثة. وخلال القرن العشرين تنوعت أهداف الإرهاب، وتطورت وسائله وأساليبه، فمنه ما اتسم بالعنف الإجرامي، وآخر طبعه  العنف السياسي، فالأول استبدت به مجموعات إجرامية منظمة، هدفها النهب والسرقة، والهيمنة على سوق المخدرات، وتجارة الأسلحة والتهريب والذعارة؛ والثاني يتضمن أشكالا مختلفة من العنف، منها الإرهاب الاستعماري، والإرهاب الدولي الإيديولوجي، وإرهاب الدولة، والإرهاب الطائفي، والإرهاب السياسي المضاد، الذي تتبناه جماعات ومنظمات، سرية أو لا شرعية، كوسيلة ضغط  على الأنظمة والحكومات، لتتراجع عن قرار سياسي، أو لإزاحتها وإرساء دعائم نظام جديد بقيم ومعايير سياسية جديدة.. والإرهاب في هويته العربية المعاصرة، تبلور كوليد سياسي متمرد على واقع عربي سياسي ـ اجتماعي يائس ومحبط، وواقع عالمي عنصري اضطهادي تستبد به الإدارة الأمريكية،  بممارسة الضغط الدبلوماسي، وفرض العقوبات الاقتصادية، والمقاطعة الدولية، والحصار التجاري، والغارات الجوية، ودعم، سري وعلني، للفصائل السياسية المؤيدة لسياستها الاحتكارية المطلقة، وتأييد جرائم الإرهاب والتطهير العرقي، وحروب دعائية منظمة وفاعلة في التوجيه وتحقيق الأهداف. وتستمد شرعية دوافع العنف الدامي ضد الإرهاب في الشرق الأوسط من مؤثرات نفسية تاريخية عقائدية صهيونية ناقمة، على خلفية الصراع العربي الإسرائيلي؛ وفي مواقف استثنائية منحازة، تبرر الإرهاب لمساندة أنظمة موالية لمنطق عقل وفكر و روح الفلسفة الأمريكية الاحتكارية، وأخرى استعمارية عدوانية تخدم مشروع الاستعمار التوسعي، ويضمن الإرهاب الأمريكي حمايتها بحق النقض "الفيتو" لمنع  إدانتها بأي إرهاب تعسفي ترتكبه ( نموذج  الصهيونية الإرهابية في فلسطين وضد دول المواجهة..). وتقدم الحملة  الدعائية الأمريكية تبريرات أخرى  لغزو و احتلال هذا البلد أو ذاك، بدعوى الإطاحة ب"القيادة الدكتاتورية"، أو لأنه "يأوي الإرهاب"، أو "يمتلك سلاح الدمار الشامل"، وغيرها من التبريرات التحايلية كمساعدة الشعب على وضع أسس نظام ديمقراطي بنسخته الأمريكية، "عربي مسلم  الكيان" "أمريكي الروح"، إرهاب استيلابي يفقد خصائص الهوية.
وموازاة مع الحملة الأمريكية ـ الأوروبية غير العادلة، تتوعد منظمات عربية (منها صنيعة إدارة أمريكا الثمانينات، وأخرى انشقت أو انبثقت من الواقع المتخلف، وتفاعلات الظروف المزرية، والانتكاسات المتلاحقة التي يعيشها العربي) بالمزيد من الأجساد الموقوتة؛  فأصبح الإرهاب ظاهرة عابرة حدودية تفرض نفسها في الواقع المعاصر، و تهدد أمن وسلامة الإنسان.
أي ظروف قاسية تولد شخصا يجمع بين اليأس والإرادة لتفجير نفسه، ليقول "أنا انفجرت إذا أنا موجود"؟
الواقع وثقافة الاستبداد!
غداة تحرير معظم الدول العربية، وقيام جمهوريات، اثر انقلابات ثورية، شعبية أو عسكرية، على الملكيات التقليدية، لدوافع أهمها رفض حق وراثة واحتكار السلطة، وخيانة الوطن، تبنت الأنظمة الجديدة، تحت غطاء إيديولوجي، إرهاب الدولة كإحدى الوسائل الأساسية في الخطة التأسيسية لأنظمتها، ومع أن "كل تنظيم يحمل من حيث المبدأ ، بذرة الاوليغريشية"، انحرفت الزعامات عن طموح و هموم شعوبها،  واستسلمت لنزواتها المزاجية، وارتدت إلى ما ناهضت وتمردت عليه، وصلبت قبضتها الحديدية على صانعيها، وذللت تبعيتها الخارجية؛ فاضطهدت الذهنية السلبية أية حركة نهضوية  تقدمية تطلعية، حيث  عمدت على اختطاف واغتيال واعتقال مثقفي الفكر المضاد، الذين تجرؤوا على  نقد الواقع، ووضع الأنظمة وحكوماتها على محك التساؤل؛ وأفرخت سياستها القمعية أحزابا إدارية لقيطة، تدعم ثقافة الاستبداد  والانحراف السياسي، وافتعلت هيآت مدنية انتهازية وصولية،  ونهجت أسلوب الاحتواء والاستبعاد مع الحركات الأصولية، التي خلفت الظاهرة الأفغانية، وأنشأت حركات فقهية تحايلية،  تكرس السلبية الاتكالية،  ولم تتوقع يومها أن التجربة الأفغانية ستقوي حضور حركات دينية مناهضة وأخرى متطرفة.. وعمل إعلامها الرسمي على تمويه الحقائق لخلق الوعي الخاطئ، وترسيخ ثقافة الإجماع، تبرر الاستغلال والاستبداد والقهر، وتهيء المواطن نفسيا لقبول بأمر الواقع،  فبادرت بعض الأنظمة الجمهورية إلى إقحام تعديلات على دساتيرها الوطنية لتوريث السلطة، منها من حالفها استبداد أجهزتها القمعية التسلطية، إرهاب التزوير؛ كما لم تتردد بعض الأنظمة غير المستقرة، في التشجيع على الخيانة الوطنية بافتعال حركات انفصالية وهمية ( نموذج النظام الجزائري في الصحراء المغربية) ؛ وعندما تنتفض فعاليات حقوقية وسياسية وثقافية، وتدخل في إضراب غير محدود عن الطعام، كشكل من النضال، تواجه بتجاهل السلطة لانتهاكاتها وأخطائها السياسية (إرهاب السلطة)... وتتعدد أشكال إرهاب الدكتاتورية العربية.
بعد هذا الجرد المقتضب لطبيعة السلطة العربية، وتأثيرها في سيكولوجية الإنسان العربي المقهور، لا أعتقد أن "الإرهاب" له علاقة مباشرة بجوهر الدين الإسلامي، وبالعوامل الاجتماعية السلبية كالأمية والفقر والتهميش، والبطالة،  لأنها ظواهر ملازمة للأوضاع  الاجتماعية العالمية، بطبيعة الحال مع تفاوت النسبية وخصوصية طبيعة الثقافة السائدة في أي مجتمع. واشتداد حدتها تدفع إلى اندلاع انتفاضات وتظاهرات شعبية ساخطة على واقع البطالة والفقر والتهميش (نموذج الانتفاضة الدامية في بيونيس ايريس بالأرجنتين في دسمبر 2001 ، انتفاضة ضواحي باريس (اكتوبر/نونبر 2005) طالت مدنا فرنسية أخرى، وعبرت الحدود إلى الدول المجاورة، فرنسيون من أصول مهاجرة، قاسمهم المشترك الاندماج  بما يوفره لهم  شعار الثورة الفرنسية، من حق العدالة، المساواة، ولقمة حياة كريمة...). باللإضافة إلى أن الانحراف الاجتماعي يساهم في تفشي الفساد الأخلاقي والجريمة بكل أشكالها،  فنظرة المجرم إلى الحياة تختلف عن نظرة الشخص الذي ينسف ذاته من أجل قضية مصيرية.. المجرم أناني، عدواني، وجبان، يعتدي على السذج والضعفاء، وليست له القدرة على تفجير نفسه، بل من أجل إمتاعها بأتفه الملذات يرتكب حماقاته وجرائمه السادية.  فالإرهاب المعاصر الموقع بالعربي بعيد عن التفسيرات التي تربطه بجدور التطرف الديني والتحليلات الاقتصادية - الاجتماعية، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن منفذي تفجيرات أمريكا من أسر ميسورة (حسب ما نقلته مختلف وسائل الإعلام العالمية و العربية)، منهم من تابع دراسته  في العلوم التقنية المتعمقة في مؤسسات أوروبية وأمريكية؛ العالم المتمكن من أدوات الحداثة والثقنية المتقدمة، الذي طالما تشدق بالحرية الفكرية والدينية والديمقراطية الشاملة، وقدم الملاذ لأشخاص هربوا من الطغيان،  وجعل منهم  شخصيات إسلامية، وفر لها حرية التعبير والحركة والنمو. واليوم يعلنها حربا ضارية ليتخلص منها لاعتبارات عنصرية، دينية وعرقية.
دكتاتورية عربية وائتلاف مسيحيصهيوني!
فإذا كانت الثورة الفرنسية منعطفا داميا ضروريا في تاريخ فرنسا و أوروبا، حيث وضعت أسس الدولة  الديمقراطية بأشكالها الحديثة، فأي واقعة سياسية عنيفة برزت كمنعطف ضروري غير مجرى التاريخ العربي المعاصر ، إن استثنينا مبادرة القائد العربي جمال عبد الناصر، التي نسفت  في المهد بالإتلاف الثلاثي "فرنسي ـ أنجلو ـ أمريكي"، راعي وحامي "إسرائيل" ..؟  وظل الائتلاف الثلاثي يتربص أية صحوة عربية، فبعد جرأة القومية الناصرية، لم تقدم الأنظمة الجديدة أي مشروع نهضوي، ربما كانت الحركات التحررية، إبان مقاومة الاستعمار، حبلى بنطف فاسدة ، انبثقت منها زعامات طموحة ، أخفت تحت ملامحها  الشعبية الثورية آنذاك ميولات نفسية رجعية جشعة، قضت على الأحرار، والأفكار التقدمية في فجر الاستقلالات المشروطة، (اغتيال فرحات حشاد في 1952، اختطاف أحمد بن بلة في 1956، اختطاف وتصفية المهدي بن بركة في 1965...). ووجدت الزعامات ضالتها في الحرب الباردة بين الشرق والغرب، واستمر فكر الخطيئة، ثقافة استبدادية تلتزم بسياسة القهر ، وانتهاك حقوق الإنسان العربي، والانحراف السياسي. وتراكمت عوامل سلبية كثيرة متداخلة، سياسية واجتماعية واقتصادية وعقائدية، فأثمرت التمذهب، والنفاق السياسي والاجتماعي والثقافي والديني، والولاء الانتهازي إلى درجة  الخيانة. وتفاعلت تأثيرات اليأس والقلق وتبخيس الذات العربية،  وطغى الحزن والإحباط على نفسية العربي، المواطن والإنسان، فاجتر بؤسه العميق، بردود انفعالية خفية، وسط واقع ينعدم فيه الشعور بالأمن، والسيطرة على المصير..
وبعد اطفاء جمرة الحرب الباردة، وتفتيت الإمبراطورية السوفياتية، وتدمير حائط برلين ، وتفعيل بنود حقوق الإنسان عالميا، وتوحيد أوروبا، وبروز تحديات العولمة بكافة أشكالها،  والثورة التواصلية الإعلامية الالكترونية، غزت القنوات الفضائية، العالمية والعربية منها، البيت العربي، واستعرضت عبر المربع السحري "التلفزيون" قضايا عربية آنية، وخفايا التاريخ السياسي العربي الحديث، من خلال برامج إخبارية، وحوارية، وتحقيقات مواكبة للأحداث العربية والدولية، مرفقة بقراءات ونقاشات عربية متضاربة، وبرامج وثائقية مدبلجة استفزازية ، تكشف طبيعة بعض االرءاسات العربية، وشروط وصولها لسلطة الحكم،  ليدرك المواطن العربي البسيط أنه تعرض، خلال سنوات الاستقلال ، لأسوأ استغلال سلبي، فافتضحت الحقائق التاريخية، وسقطت أقنعة الديمقراطيات المأجورة على كرسي السلطة. ومن الطبيعي أن يولد ذلك توترا نفسيا  يتجاوز طاقة الاحتمال، فبقدر ما تشتد وطأة ألم الحالة النفسية الاجتماعية والوطنية، والشعور بالدونية الداخلية والعالمية، بقدر ما يفقد المواطن احترامه لنفسه وثقته بمحيطه؛ ويحتدم داخله التوتر والميل إلى التمرد والعدوانية، ويتفاقم الحقد الداخلي الذي يهدد باندثار القوة الكامنة في أية لحظة، فبات المواطن العربي، رغما عنه، قنبلة إنسانية موقوتة، تنتظر فرصة الخلاص من اليأس وحياة الظلم.
الثقافة الإرهابية لعبة دولية!
ومن المفارقات الغريبة أن الإمبريالية الاستعمارية هي التي أنتجت الإرهاب الدولي في طابعه العدواني الإجرامي، شرعته في مؤتمراتها الكولونيالية (معاهدة سايكس بيكو ماي 1916، تصريح بلفور نونبر 1917، معاهدة فرساي 1919، اتفاقية سان ريمو أبريل 1920، معاهدة سيفر غشت 1920...)، ومارسته بأبشع الصور بواسطة المرتزقة والخونة لفرض سيطرتها على المستعمرات.  والتاريخ السياسي الاستعماري الأمريكي حافل بالخروقات والانتهاكات للشرعية الدولية من غزوات عسكرية، ومعاقبة الأنظمة، والتدخل في شؤون الشعوب. ففي حقبة الحرب الباردة، التي ساد فيها توازن القوى العسكري بين ضفتي الشرق والغرب، شهد العالم انتهاكات دولية لشرعية الدول الضعيفة، ضمن الصراع بين المعسكرين للسيطرة  على الأرض، بتمويل حروب العصابات، ودعم الانقلابات العسكرية، وتشييع جرائم الاغتيال،  والانتفاضات الانتفاعية، للاطاحة بأنظمة متمردة، وتنصيب أخرى موالية للتوجه الايديولوجي الأمريكي،  حينها استندت الإدارة الأمريكية في تبرير غزواتها الارهابية،  السرية والعلنية، بالتصدي للرعب الشيوعي، وحد النفوذ السوفياتي، وإقامة ديمقراطيات أمريكية في الشرق الأوسط، وأمريكا الوسطى واللاتينية، وآسيا، وإفريقيا، وأيضا في أوروبا. ففي أمريكا الوسطى مثلا، نجحت في نسف أنظمة، وتنصيب  أخرى موالية لسياستها الاحتكارية، في البيرو، بورتوريكو، جواتيمالا، هايتي، جمهورية الدومنيكان، نيكاراجوا، وجرينادا، والشيلي، وهندوراس، ومحاولة فاشلة في كوبا في 1961 لاسقاط نظام فيدل كاسترو، وفي البرازيل، وبنما ( آخرها في  1989 حين ألقت القبض على الرئيس الجنرال مانويل نورييجا في عقر رئاسته، ونقلته إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة تهريب المخدرات، ونصبت بدلا عنه رئيسا آخر، يحمي سيطرتها على قناة بنما).. كما تدخلت في أفريقيا، بدعم العدوان الثلاثي على مصر في 1956، ويد خفية في تنحية القائد جمال عبد الناصر بعد ذلك، وتدبير انقلاب أمريكي بلجيكى في الكونغو في 1960 (أودى بحياة الرئيس الشرعي باتريس لومومبا، وتنصيب موبوتو سيسي سيكو، الذي أظهر مهارته الديكتاتورية على الشعب)، وفي تشاد، وفرض عقوبات اقتصادية على ليبيا في 1981، وقصف عسكري جوي فاشل لتصفية معمر القدافي في 1986، ومحاولة فاشلة للقبض على  الزعيم العسكري محمد فارح عيديد في الصومال 1992، وقصف جوي على السودان في عام 1998 (أعقاب ضرب السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا وغيرها من الخروقات والتدخلات  الارهابية...وفي الشرق الأوسط والأقصى أيضا ( للانتفاع من النفط الأوسطي والأسيوي)، حيث قامت، بتنسيق مع المخابرات البريطانية، بإنقلاب على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق سنة1953، وأعادت تنصيب الشاه محمد رضا بهلوي إلى الحكم، الذي أطاحت به الثورة الإسلامية في 1979؛ وبدرائع مختلفة، تدخلت في شؤون باقي دول ومشيخات الخليج، وفي الفلبين، واندونيسيا، وفيتنام، واستراليا، وأفغانستان، ومنغوليا، وكازاخستان.. وتواصل إختراقاتها وانتهاكاتها الدولية لإركاع أي نظام تحميه تمرد على إرهابها.
الإرهاب والدعاية الأمريكية!
إلى جانب  الحروب العسكرية والسياسية والاقتصادية، تلجأ الإدارة الأمريكية إلى دعاية فعالة، حرب نفسية مؤثرة، تستهدف عقل وفكر و قلب العامة، لتخلق الرأي العام المؤيد لتوجهها، وتقتل إرادة الخصم وتحطم معنوياته، وتغسل دماغه، لإعادة تشكيل فكره،  وفقا للتصور الإيديولوجي الذي تتبناه الدعاية؛ حرب إرادة ضد إرادة، إنه الوجه الأبشع للإرهاب الفكري. فالولايات المتحدة الأمريكية لا تلتزم الموضوعية في مكافحتها للإرهاب الدولي، تعتمد على دعاية ذاتية  تحايلية عنصرية منظمة؛ أسلوب تضليلي فعال، يتمكن من الفكر، ويصنع الرأي العام الذي يخدم توجهها الإيديولوجي، يجعل الشر خيرا، والمذنب شهما ، والضحية سفاحا، والشريف قوادا، والخائن مخلصا ، والمناضل إرهابيا، والارهابي مقاوما.. فمنطق  دعايتها يتجاوز الشرعية الدولية، تكتيك ممنهج ، ينجح في ارساء الثقافة الفكرية الإرهابية من خلال تصور مغلوط، وأسلوب دعائي تحايلي، يخلق الخصم الوهم، ويحيطه بهالة من الخوف والرعب والوحشية، ليثير المشاعر العدوانية المشروعة للتخلص منه؛ إرهاب ذهني فعال يصنع الرأي العام،  نموذج الحملة الدعائية ل "لجنة كريل"،  في عهد الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، التي نجحت في إثارة الرغبة الأمريكية في دخول الحرب الأوروبية؛ ونفس الوسيلة تبنتها في تبرير حرب فيتنام ، وغض النظر عن الفشل والهزيمة التي لحقت بها، ونفس الأسلوب نهجته الدعاية الأمريكية للتصدي للمد الشيوعي، وغيرها من الدعايات المبيتة، والمؤيدة من أعلى هيئة أممية لأمم المتحدة"، التي ترزح تحت الضغط الأمريكي، (كما حصل في قصف أفغانستان، وحروب الخليج  وغزو العراق واللائحة مفتوحة).
 ومنذ الثورة الخمينية، التي فاجأت الاستخبارات الأمريكية،  وما ترتب عنها من  تنامي المد الأصولي،  جعلت الدعاية الأمريكية من الشرق الأوسط منطقة تحكمها هستيريا الإرهاب، فاختلقت  عدوا وهميا عدوانيا ربطته بالإسلام، والإيمان الديني يبرر قتل العدو، وعليه يجب اضطهاد مصدر الإرهاب، والتخلص منه، مما يدعم إسرائيل في انتهاك حرية التعبير الديني والسياسي ضد المواطنين العرب في "فلسطين المحتلة"، وتتطاول على محاكمة القرآن من خلال صحيفة "صوت الحق والحرية"، التابعة للحركة الإسلامية داخل أراضي 48، بسبب نشرها تفسير آية قرآنية في شهر مارس 2004 ، باعتبارها تتضمن تقديسا وتحريضا على الإرهاب. فدعاية الائتلاف المعروف جعلته أعنف من إرهاب أمريكا الوسطى الذي انطلق أيضا من  الكنائس، بتحريض ودعم أمريكي، يقوم على فاعلية  العنف الإرهابي، وشرعية تصفية الخصوم السياسيين من أجل تحقيق مشروع إيديولوجي أمريكي في المنطقة الوسطى المجاورة، (التنسيق مع النظام البوليفي للقبض على أرنستو تشي جيفارا دي لا سيرنا، واغتياله في 1967). فالسياسة الأمريكية ترتكز على نسق ثقافي إرهابي، مبني على إستراتيجية استعمارية جديدة في حربها ضد الإرهاب، ،تعتمد منطقا ازدواجيا واضحا في التعامل مع القضايا العالمية والظاهرة الإرهابية، وفق تصور إرهابي عنصري واضح ضد حقوق الانسان العربي، ويتجلى بكل تحقير في قهر الحق العربي  مقابل  دعم غير مشروط للإرهاب الصهيوني المتعنت ضد أهل الحق الشرعيين؛ فبالنسبة  للعقلية العنصرية فإرهاب إسرائيل البربري ضد الشعب الفلسطيني ديمقراطي وحق مشروع، وأقل عنفا من تصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، التي حركت حملة دعائية للائتلاف الثلاثي"فرنسا، بريطانيا، أمريكا"، استدعت بيانا إرهابيا أملته الإدارة الأمريكية،  وتبناه مجلس الأمم المتحدة. إنه النظام الاستعماري العالمي الذي يقوم على لغة الإملاء،  والضغط الدبلوماسي، والتهديد الاقتصادي، والغزو العسكري؛ يحاسب إيران على امتلاك القوة النووية ، في الوقت الذي يؤمن تفوق ترسانة إسرائيل العسكرية والنووية في الشرق الأوسط، ويرفض إدانة ارهاب الصهيونية الوحشي المستمر على أطفال الحجارة منذ انتفاضة الأقصى سنة 2000، وتواصل إرهابها الهمجي ضد النشطاء الفلسطينيين،  وفي المقابل يطالب ليبيا بإطلاق الممرضات البلغاريات اللواتي  اغتصبن، عن وعي أو دونه، طفولة بريئة بفيروس السيدا، وحكمن عليها بالموت المبكر. ويتجلى التحقير الواضح للعربي، أمام دعم معنوي للإسرائيلي، في إجبار الجمعية العامة على التبني بالإجماع قرارا يفرض  27 يناير  يوما عالميا لإحياء ذكرى ضحايا اليهود، ما يعرف ب "المحرقة النازية"، وإن كانت هذه الواقعة حقيقة تاريخية،  فالأوروبيون هم من أحرقوا اليهود و ليس العرب؛  تم الضغط على العدالة الإسبانية، لتدين الصحفي العربي تيسير علوني بتهم واهية من صنع خيال الإرهاب الأمريكي، رسالة استفزازية للعرب، أمام بكم عربي رسمي خجول، يوحي بأن سجن تيسير علوني الصحفي العربي الرمز، الذي قام بواجبه الإعلامي، اعتقال للوطن العربي.
تمرة استغلال وسياسة قمعية!
فإرهاب الشرق الأوسط، مظهر لأزمة نظام عربي ، نتيجة استبداد السلطة، وتوظيف السياسة الإعلامية، والمنظومة الفكرية، والحيل الفقهية لتبرير ثقافة الاستغلال والقمع  والتعصب ، والتحايل على الشرعية الدستورية والقانونية، لتأسيس صياغات سياسية احتكارية تسلطية جديدة ، وجعلها حالات ديمقراطية استثنائية تباركها استفتاءات شعبية انتفاعية انتهازية، بالإضافة  إلى توريط الجماهير العربية في نزاعات مجانية، وحروب حدودية مفتعلة، تتيح تبخيس الذات العربية والمسلمة، وتحقيرها عالميا؛ إنها قسوة النظام العربي الهش، الذي يتماهى  بالمعتدي الخارجي، ويستمد تسلطه القهري ضد المواطنين من تلك القوى الخارجية الضامنة لاستمرارية احتكاره للسلطة القمعية، فحصر الإنسان العربي في دوائر ضيقة، وأوضاع اجتماعية قاهرة وفاسدة، مسلوب الإرادة، ومنعدم أدنى شروط الديمقراطية التي استشهد من أجلها الشعب العربي قبل خمسين سنة. وحسب تقرير الفساد العالمي 2005، الذي نشرته منظمة الشفافية الدولية في أكتوبر الماضي،  فإن حجم الفساد الحكومي المدرك في العالم العربي يزيد على 300 مليار دولار سنويا،  وأقل دولة عربية فسادا، احتلت  الدرجة 28 عالميا، ويتعلق الأمر بسلطنة عمان،  تلتها الإمارات العربية في المرتبة 30، تم قطر32، البحرين36، الأردن37، تونس 43، الكويت 45، مصر، السعودية، سوريا 70، المغرب 82، لبنان83، الجزائر 97، اليمن 10، فلسطين 107، ليبيا 117، العراق13، وأكثر الدول العربية فسادا السودان في المرتبة 144 ( تبقى حقيقة التقرير نسبية، لامكانية اعتبارها أسلوبا للضغط أو لازاحة  أنظمة خارجة عن الارادة المطلقة للمخابرات الأمريكية).
 فثقافة الإرهاب ثمرة سياسات إرهابية اتبعتها بنجاح إدارة الولايات المتحدة الأمريكية في ارساء دعائم أنظمة دكتاتورية عبر العالم، وخلق منظمات مرتزقة لاستخدامها كأداة ضغط و إركاع الأنظمة التابعة وخلع المتمردة.. وبعد هجمات الحادى عشر من سبتمبر  الأمريكي الأسود، برز بحدة شعار "محاربة الإرهاب" ، ليبرر الغزو العسكري الأمريكي المدمر لأفغانستان في 2001، للإطاحة بحكومة وتنصيب أخرى تابعة لادارتها..  وبعدها دبرت الولايات المتحدة دعايات وأساليب لقيادة غزو عسكري دولي للعراق، ثاني أكبر احتياطي من البترول في العالم، تحت ذريعة البحث عن سلاح الدمار الشامل، والنهوض بالديموقراطية ، والهدف الأساسي هي الإطاحة بصدام حسين، الجندي العميل، في رتبة الرئيس الدكتاوتور، المتمرد، وإقامة جندي عميل متحمس ليكون حارسا على نهب ثروات بلاد صلاح الدين. ووقعت مهزلة سقوط بغداد، وسقوط رمزية القائد العربي من خلال صور الرئيس صدام  الكاريكاتورية التي تناقلتها مختلف وسائل الإعلام العالمية، واندلعت المقاومة، ولا يزال الاحتلال المستلب مستمرا، يحصد المزيد من الأرواح العربية داخل العراق وخارجه، حيث تلاحقت التفجيرات بقسوة داخل المدن العربية، تستهدف حياة العامة والأبرياء و لا تؤثر في القرار السياسي العربي؛ في حين  العمل الإرهابي المسيحي الصهيوني يستهدف الشخصيات التقدمية والثورية المؤثرة، ورجال المواقف السياسية الجريئة، والنشطاء الثوريين (اغتيال تشي جيفارا .. الزعيم اللبناني المسلم فريق الحريري... الكوادرالفلسطينية.. والعملاء المتمردين..).
وبعد تلاث سنوات تقريبا من الغزو المدمر، يستمر احتلال العراق، ومن أجل بسط نفوذها على الشرق الأوسط الكبير، العقلية الإستعمارية الاحتكارية، بمساندة الأرواح العميلة، مستعدة لاحراق شعب بكامله في العراق وسوريا ولبنان وإيران.. وفي عبثية يزداد يوميا عدد ضحايا العامة في العراق إلى مئات الآلاف من الشهداء، وفي خارج العراق أيضا،  تحصد عبثية الانفجارات الضحايا من العامة الأبرياء في مصر ، المغرب، تركيا، السعودية.... وانفجارات الأردن، التي هزت، مساء الأربعاء 9 نوفمبر 2005 العاصمة عمان، وأسفرت عن مقتل العديد من الضحايا، من بينهم المخرج العربي مصطفى العقاد موقع شريط "عمر المختار" و"الرسالة".. فأية رسالة تمررها العمليات الإرهابية؟ هل هي من فعل عرب سلالة عمر المختار؟ أم مفتعل باسم عرب، سلالة العبد الحبشي؟ الوحشي الذي تصيد حمزة بن عبد المطلب في معركة أحد، وسدد له ضربة رمح قاتل ، تلبية لرغبة هند بنت عتبة، مقابل انعتاقه وثرائه، ولم يكفيها موته، ولتشفي غليلها الثأري لأبيها، وعمها، وأخيها وابنها أمرت  العبد الوحشي بتمزيقه لتمضغ كبده.. وتواصل ذرية هند غدرها بتبرير الإرهاب الدولي الأمريكي الغربي على العرب والإسلام، والضحية دائما هو الشعب العربي، المغلوب على أمره،  والمأخوذ على غفلة منه. وتعمق الشرخ داخله، وتصدع  كيانه، بين مؤيد ومندد وآخر لا يهتم، والآن توهم الدعاية الأمريكية الرأي العام العالمي والعربي بإمكانية مكافحة الإرهاب في مسقط انبعاثه، الذي يعيش  أزمة الديمقراطية، مما تولد عنه تفريخ الإرهاب القاتل، وبذلك تحمل المسؤولية للأنظمة العربية والإسلام، وتهدد علانية بإمكانية العدوان المسلح في أية لحظة، والتدخل في شؤون النظم القائمة بذريعة مكافحة التطرف والإرهاب. فبوش يدعي أن الله أمره بذلك، ويمنح نفسه حق القيام بما يراه واجبا في حق الجماهير العربية،  ويفرض، ضمن تغييرات سياسية جوهرية في المنطقة، إحداث، ما يراه،  إصلاحات جذرية في مناهج الأنظمة العربية التعليمية الدينية والدراسية  والتربوية والاجتماعية؛ وفي مسار الغزو البطيء،  تحاول السلطة الاحتكارية نهج سياسة شراء المجتمع المدني المقهور، للتمكن من كبده، عبر "منتدى المستقبل" (انعقدت دورته الثانية بالمنامة في البحرين يومي11 و12 نونبر 2005)، مما يهدد بانصهار الهوية العربية المسلمة، في المدى المتوسط والبعيد، داخل فخ حضارة الائتلاف المسيحي الاسرائيلي.
إلى متى الإهانة وتبخيس الهوية العربية ؟
بعد سقوط بغداد ورمزية قيادتها، اشتد هاجس الخوف من تكرار المهزلة مع عاصمة عربية أخرى،  خصوصا وأن الرئاسة العربية تفتقد إلى إستراتيجية سياسية وإعلامية، وطنية قومية، لصد أي  أنواع القهر والاستلاب، بسبب افتقارها إلى شروط الوطنية الصادقة، وتآمر بعضها على بعض، فالقوى الخارجية الداعمة لبقائها على السلطة ترعبها القومية العربية، لأن  قوة القائد العربي تستمد من قوة الشعب، وقوة الشعب العربي في صحوته ويقظته، ووعيه بحقوقه، ودفاعه على وطنيته وقوميته.  فسياسة المصادرة، التي مارستها وتمارسها أمريكا والعقلية الاستعمارية الأوروبية، رسخت سياسة "فرق تسد"، وعمقت فساد السلطة العربية، فتحولت الرئاسة، بسبب سلطة القهر، والانحراف السياسي، وثقافة اليأس، إلى حكم وراثي بالقوة، يفتقد إلى المصداقية الشعبية الشاملة، والسلطة الرابعة، الواعية والمربية والموجهة،  ترزح تحت ضغط السلطة السياسية، أسيرة إرهاب في حق حرية التعبير، وكشف الحقائق، ومساعدة العدالة في تحرياتها؛ سلطة قاهرة، ترتبت عنها ظروف حالة نفسية معقدة خانقة في الشارع العربي، يتأرجح فيها الوعي الاجتماعي والأخلاقي بين الخيانة، والمؤامرة، والتهميش، واليأس القاتل.
 نستخلص من كل هذا أن محاربة الإرهاب يشترط أساسا مصداقية الوطنية والقومية، ويحتم  الموضوعية في معالجة الأسباب والدوافع، خلفية الإرهاب ومرجعيته، التي أوصلت المواطن العربي إلى حالة نفسية موقوتة يسوى فيها الموت والحياة، لينفجر هنا وهناك، لعله يسمع قضيته بموته، في ظرفية عالمية مضطربة أضحى فيها العربي من " الرئيس إلى الرضيع " عرضة للسخرية السوداء.
محمد رياضي
باحث إعلامي
البيضاء، يناير 2006
تمت الاستعانة بالمؤلفات التالية:
 - "الاسلام السياسي في الوطن العربي" منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، ذ. محمد ضريف،  مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط ، المغرب ، الطبعة الثانية نونبر 1992
- "التخلف الاجتماعي، سيكولوجية الإنسان المقهور"، د. مصطفى حجازي، ، معهد الإنماء العربي،  بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة 1986
- "علم النفس الإجتماعي" د. حامد عبدالسلام زهران، عالم الكتب القاهرة، مصر ، الطبعة الخامسة 1984
- "الأحزاب السياسية" دراسة سوسيولوجية، روبرتو ميشال، تعريب منير مخلوف، دار ابعاد للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1983
- "الحرب الحضارية الأولى" مستقبل الماضي وماضي المستقبل، د. المهدي المنجرة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب،  الطبعة الرابعة 1992
- "السيطرة على الإعلام"، نعوم تشومسكي، تعريب أميمة ع.اللطيف، مطبعة فضالة، المحمدية ، المغرب، الطبعة الأولى 2005
 - " La pensée Politique Arabe Contenporaine", Anouar Abdelmalek, Edition du Seuil, Paris, France, 3ème Edition 1970 
 - "La Déontologie des Médias" , Claude-jean Bertrand, Presses Universitaires de France, "Que sais-je" France , 1re Edition 1997, Août



Thursday, May 26, 2011

! الفيلم التربوي والأبجديات الضائعة

الفيلم التربوي والأبجديات الضائعة!
تساؤلات حول الغياب الغامض للمهرجان الوطني للفيلم التربوي!! 
يحرص الفيلم التربوي على مقومات الشخصية المغربية في بعدها التاريخي والحضاري والثقافي؛ في حين،  يساهم المهرجان الوطني للفيلم التربوي في تطوير تقنيات التعبير التلفزيوني والسينمائي.
الإنسان و الصورة:
عند ابتكاره الصورة الثابتة لم تتوقف جهود الإنسان عن تطويرها وبث الحياة فيها، وبعد عقود من المحاولات تحقق الحلم، فغدت الصورة متحركة مع نهاية القرن التاسع عشر، وأبهرت العالم بحركتها الصامتة المعبرة في أول عرض شهدته باريس أواخر دجنبر 1895. وواصل الإنسان جهوده لتطوير الصورة الصامتة المتحركة، ونجح في فك صمتها،  فأدهش نطقها المتلقي الغربي وبعد ذلك الشرقي التابع له. وفي العشرينات تجاوزت الصورة الشاشة الكبيرة إلى الشاشة الصغيرة،  وبعدها أضاف لها الإنسان الألوان ، فأمتعت ناظريها في دور العرض وفي البيوت. وتطورت تقنيات وتعبيرات الصورة، وأبعادها وأهدافها، وتقوت تأثيراتها، فباتت سلطة ضاغطة في حياتنا اليومية،  تمارس، عن طريق مختلف الوسائل الإعلامية السمعية -البصرية، وعلى الخصوص التلفزيون، الوسيلة الأكثر والأسرع انتشارا، تأثيرا : فكريا وخلقيا واجتماعيا، وإيديولوجيا..  
وظيفة تأثيرية تدفع المتلقي إلى الاستجابة والاقتداء بما تمليه عليه لغة الصورة،كمشهد يجمع بين الحركة والحوار، فتُولد في دواخله رغبة في التقليد والعمل بالمثل، فيكتسب نمطا  مختلفا من ردود الأفعال، ربما عن قناعة أو عن استجابة فعلية فورية لتأثير الصورة اللحظي،  وربما يرفضه بتاتا لقناعة الموقف الذي تربى عليه، أو لأن فكره تعود سلطة ثقافة قامعة حجرت نشاط فكره، فلم يعد يستجيب إلا لسلطة الخوف!
وبالرغم أننا نعيش في عصر الصورة والثورة التكنولوجية الإعلامية  لا زال المواطن العربي على العموم والمغربي على الخصوص يتعامل مع الصورة كمادة استهلاكية عابرة ؛  في حين في الدول المتقدمة لم تعد وظيفة الصورة تتوقف فقط على الإخبار والتسلية وإنما أصبحت أساسية في  العملية التكوينية والتعليمية  والتربوية الحديثة، تعمل على توعية المواطن وإصلاحه وتحفيزه على المساهمة في التطوير و البناء والنمو الشخصي المنصهر في العام. فجعلت الصورة وسيلة فاعلة للتربية والتكوين والتحسيس عبر مختلف وسائل الإعلام السمعية- البصرية ، بالخصوص التلفزيون، من خلال أعمال فنية تختلف في المضمون والشكل والأهداف، من مسلسلات ومسرحيات و أفلام درامية وتسجيلية ورسوم متحركة وغيرها...

الفيلم التربوي والتواصل الهادف:
ويبقى الفيلم التربوي أحد الأصناف الفنية الإبداعية الهادفة التي تعتمد على التخييل و التوثيق، لمعالجة ظواهر اجتماعية
 ونفسية و بيداغوجية لتقوية التواصل التربوي في العملية التكوينية والاجتماعية. ورغم أنه ليس هناك مفهوما محددا للفيلم التربوي، غير أن رسالته التربوية والتكوينية والتعليمية تجعله صنفا دراميا مستقلا بذاته، ينغمس في الجزئيات ليعالج ظواهر تربوية، وسيكوبيداغوجية، وسيكوسوسيولوجية تخص  الطفل ، المعلم ، المدرسة، الإدارة ، العائلة والمجتمع..
 وكمشهد بيتي، يوفر هذا الصنف الدرامي الشروط الموضوعية والأخلاقية، التي تنبني عليها مكونات الفيلم التربوي، وفنيا يستوجب أن يتميز بالقدرة الإبداعية على تبليغ الرسالة التربوية وخلق تواصل تربوي بين مكونات المجتمع : البيت والشارع والمدرسة .
عمل يرصد سلبيات التربية لتحقيق  السلوك الإيجابي، ينبش في واقع سلوك مريض لذهنية متجاوزة ، ليقترح سلوكا صحيا عقلانيا ملائما للظرفية المعاصرة ، مع الحرص العميق على مقومات وثوابت الشخصية المغربية. رسالة تربوية تعتمد على  الفنية السينمائية و تأثير سحر لغة الصورة في  إكساب ثقافة ومعرفة، وتسهيل عملية التكيف الاجتماعي. 

المهرجان: ورشة إعلامية ثقافية تربوية :
ولتسخير الصورة للقيام بوظيفتها التربوية وتطوير لغتها الفنية عاش المغرب تجربة قصيرة، وئدت في مهدها، ويتعلق الأمر بالمهرجان الوطني للفيلم التربوي الذي كان محطة نوعية في المجال السمعي البصري، لكن التجربة لم تعمر طويلا . كان المولود ضعيف البنية، منذ ولادته، تعددت المرات التي أدخل فيها إلى العناية المركزة لإسعافه مؤقتا، لكن يدا خفية استطاعت أن تتسلل إلى غرفة الإنعاش، في دورته الرابعة،  وتمنع عنه قارورة الأكسجين وتقبض على أنفاسه.. ويفارق الحياة في ظروف غامضة! ويترك ملف الجريمة دون متابعة!!؟  
 رغم قصر  المدة ومحدودية الإمكانيات، كانت تجربة المهرجان، إلى حد ما،  ناجحة؛ ورشة إعلامية ثقافية تربوية، تلتقي فيها  مختلف الفعاليات التربوية و السينمائية والمؤسسات الثقافية والتربوية والحقوقية  لتقييم مضامين الأفلام المشاركة والتقنيات الفنية المستعملة لتبليغ الرسالة التربوية، مما خوله أن يكون  فضاء للاحتكاك و تبادل الأفكار بين  المهتمين بالمسألة الثقافية والتربوية  والسينمائية.. بالرغم أن المشاركة، خلال دوراته الأربع، لم تشمل إلا بعض مراكز التكوين على الصعيد الوطني، أخذ عددها يتقلص مع مرور الدورات.
وموازاة مع فعاليات دورات المهرجان، التي كان يحتكرها فضاء مركز تكوين المعلمين والمعلمات غاندي بالبيضاء، عرفت فضاءات الدورات الأربع مجموعة من الأنشطة التربوية والتكوينية، شملت عروضا نظرية وأخرى تطبيقية؛ الأولى نوقشت خلالها مواضيع تربوية سينمائية، والثانية حول  عناصر تقنيات كتابة السيناريو ، والتصوير  ، والإخراج، والمونتاج وغيرها من العناصر التي تكون شمولية الإبداع الفيلمي ... شارك في فعالياتها بعض المهتمين بالثقافة السمعية البصرية (إتحاد نقاد السينما)، والتربوية، والمؤسسات الثقافية والتربوية وغياب شبه تام لمن يحسبون على السينما المغربية.
فكل الأفلام ، التي قهرت الظروف وشاركت، بإمكانياتها البسيطة،  في دورات المهرجان الوطني المغتال تعالج ظواهر اجتماعية ونفسية وبيداغوجية، تهم العلاقة المتبادلة بين المعلم و المتعلم، وأهمية اللعب في حياة الطفل، والتشجيع على العمل الجماعي، والأنشطة التربوية، وعلاقة البيت بالمدرسة، وإشكالية العزوف عن التمدرس، وسلبيات العنف والعقاب، واحترام المشاعر والمواهب، وإشكاليات التعليم عامة، وبالوسط القروي خاصة، وغيرها  من المشاكل التي يتخبط فيها قطاع التعليم بشكل كاريكاتيري ساخر.
كل فيلم يشخص إشكالية في الحياة المدرسية، والأسرية، والاجتماعية، والنفسية، ربما تكون بسيطة أو تافهة ولا يعير لها أي اهتمام في حياتنا اليومية، لكنها مهدمة، وخطورتها تكمن في عواقبها السلبية التي تنبثق تدريجيا في مجتمعنا من حين لآخر... يتناول الفيلم التربوي تأثيرها على الجانب النفسي للطفل أو المعلم أو الأسرة،  في تعامل الشخص مع نفسه ومع الآخرين، فتتحكم في تكون شخصيته وسلوكياته وردود أفعاله. ويقوم الفيلم التربوي بتعرية السبب  أو الأسباب، وتفتيت العقد، تحليلا بيداغوجيا عصريا بالاعتماد على بساطة الحوار و تعبيرية اللغة الإخراجية الهاوية، وفي وقت قصير لا يتجاوز 26 دقيقة، وهي المدة المثالية للتركيز والانتباه غير الممل، كما أكدته بعض الدراسات والأبحاث العلمية.

المغرب ورهانات الإصلاح :
وعلى ضوء ما تقدم حول فاعلية الفيلم التربوي كأداة عقلانية فاعلة في علاج وتقويم السلوكيات وتكوين  الشخصية ونضجها، ومساهمته في إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية والاجتماعية التي يراهن عليها المغرب الحداثي، وتطوير تقنيات العمل الفيلمي السينمائي والتلفزيوني على العموم،  وفي ظل التغيير الذي يعرفه العصر وتواكبه بلادنا، بتحرير فضائها السمعي البصري، لابد من بذل الجهود على مستوى عال، تحت وصاية الدولة، للاهتمام بالبعد التربوي ولسينمائي والحضاري للمهرجان الوطني للفيلم التربوي، وإعادة الاعتبار لهذا الصنف من الدراما الهادفة. وذلك بإحداث لجنة وزارية، تنتشل جثة المهرجان الوطني للفيلم التربوي من الحفرة التي أردم فيها، وإعادة تشريحها؛ ولضمان نزاهة التحقيقات، من أجل تحقيق الذات المهرجانية الوطنية للفيلم التربوي، يتوسم  في أعضاء اللجنة الحرص الوطني والنزاهة الفكرية والأخلاقية والتربوية. وغاية اللجنة ليس البحث عن المجرم، وإنما دراسة المشروع، والعمل على بلورته، ووضع الأسس التي تهيئ للمهرجان ظروف النجاح والاستمرارية، وتوفير آليات  العمل والتجهيزات الأساسية لتطويرها، حتى يتمكن من بلوغ أهدافه الفنية والتكوينية التربوية والاجتماعية و الثقافية.   
  وبعد استأصال الداء، ولضمان استمرارية وجود قار محترم للمهرجان، ولتتمكن مختلف مراكز التكوين الوطنية من المشاركة في المهرجان، ويتخذ مصداقيته الوطنية،  ولتطوير فعالياته، وتفعيل آلياته  للوصول إلى الأهداف المرجوة منه، أعتقد أن الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين لها الإمكانيات المادية والمعنوية لاحتضان وإدارة، بشكل تناوبي، دورات المهرجان، والإشراف على التجهيزات التقنية والإدارية، والتنسيق مع مختلف مراكز التكوين. فالأكاديمية جهاز منظم ومسؤول قادر على أن يتبنى مشروع  المهرجان،  وتسيير و تدبير آليات  متجددة لنجاحه واستمراره، وباستطاعة الأكاديمية  إيجاد موارد الدعم المادي، وتوسيع دائرة المشاركة لكل مراكز التكوين الراغبة في دخول المنافسات، والأهم من هذا النهوض بالعملية التكوينية داخل مؤسسات تكوين الأطر، و العمل على إدخال الوسائل السمعية البصرية،كوسيلة تعليمية معاصرة، إلى المؤسسات التعليمية.  ويتوفر المغرب على 16 أكاديمية،كل منها لها ميزانيتها وجهازها الإداري،  ولها الكفاءات الفردية المحلية باستطاعتها أن تتحمس للفكرة، وتقوم بتنظيم تناوبي  لدورات المهرجان، وجعله محطة للتباري في التنظيم و إنجاز أفلام تربوية بين الأكاديميات نفسها ، و بين مراكز تكوين المعلمين والمعلمات على الصعيد الوطني قاطبة، ويمكن فتح مجال المشاركة أمام المؤسسات التربوية الراغبة في دخول غمار المنافسة ، كما يمكن عقد شراكة مع المؤسسات المنتجة والمؤسسات المالية والثقافية والإعلامية، السمعية ـ البصرية، منها القناة الأولى والثانية، وأيضا الفعاليات السينمائية والتربوية والحقوقية،  والتعاون مع مختلف الهيئات الثقافية والسينمائية لتشجيع الفيلم التربوي ودعم حضور قار  لمهرجانه الوطني. 
شئنا أم أبينا  أصبحت الوسائل السمعية ـ البصرية تفرض نفسها على جميع المجالات، أصبحت أداة محرضة تزعج أصحاب القرار، وأداة حربية قاهرة تقلب كل الحسابات، ووسيلة فاعلة في تكوين التنشئة الحديثة. والفيلم التربوي ركيزة أي إصلاح بناء، فهو قادر على بلورة تواصل اجتماعي مبني على  تربية علمية ؛  والمهرجان الوطني للفيلم التربوي  تظاهرة تربوية علمية  سمعية ـ بصرية،  يمكن أن تساهم في تطوير الفعل التربوي والتعليمي والتكويني والفني على مستوى التلفزيون و السينما.
محمد رياضي
إعلامي
البيضاء، غشت 2004
 تاريخ المهرجان:

·        المهرجان الوطني الأول : 19 /22 أبريل1994          
          الجائزة الأولى مناصفة بين مركز المعلمين والمعلمات غاندي بالبيضاء عن فيلم "حالة شرود" ، ومركز تازة عن فيلم "الخمس".
          الجائزة الثانية : مركز المعلمين والمعلمات بالرباط عن فيلم "اللوحة اللبيدية".
          الجائزة الثالثة مركز المعلمين والمعلمات بالصويرة  عن فيلم "الأدوار الجيدة".

·        المهرجان الوطني الثاني : 25/28 أبريل 1995
                      الجائزة الثانية : مركز المعلمين والمعلمات بطنجة عن فيلم"كون يكون".
                      الجائزة الثانية : مركز المعلمين والمعلمات بخنيفرة عن فيلم "الأرنب".
                الجائزة الثالثة : مركز المعلمين والمعلمات غاندي بالبيضاء عن فيلم " ضربة خطأ".   

·        اضطر المهرجان إلى الاختفاء في 1996

·        المهرجان الوطني الثالث :  14 /16 ماي 1997         
       الجائزة الأولى :تم حجب الجائزة لعدم توفر الشروط الموضوعية و الفنية .
       الجائزة الثانية :  مركز المعلمين و المعلمات غاندي بالبيضاء عن فيلم "اللهيب ".
       الجائزة الثالثة : مركز تكوين المعلمين والمعلمات  بالعرائش عن فيلم "طريق الأمل ".

·        في 1998 تم تأجيل المهرجان ، و  انعقد مكانه يوم دراسي، في 22 ماي1998، بمقر مركز تكوين المعلمين والمعلمات غاندي بالبيضاء، لتقييم تجربة المهرجان ، وبحث شروط إنجاحه وتطوير فعالياته،لم يتحقق منها إلا السراب..

·        المهرجان الوطني  الرابع 14/16 أبريل 1999
  الجائزة الأولى : مركز تكوين المعلمين والمعلمات  بالراشدية عن أحسن إخراج لشريط "حائر بين عالمين"
       الجائزة الثانية :  المركب التربوي التعاوني المعري بالبيضاء عن أحسن صورة لشريط "حرقة"
      الجائزة الثالثة :   مركز تكوين المعلمين و المعلمات  بابن سليمان عن أحسن موضوع لشريط "المحفظة"

تم الاستئناس بالمراجع التالية:
* , Volume1 , Edition Atlas le Cinéma :  grande histoire illustrée du 7ème Art
* ملف لجنة الإعلام و النشر ، اللجنة المنظمة لدورات المهرجان الوطني للفيلم التربوي .
* د. هادي نعمان الهيتي، " ثقافة الأطفال"، سلسلة عالم المعرفة، العدد 123، مارس 1988.
*" الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين نقلة نوعية في التدبير الجهوي"، "المدرسة الجديدة"، نشرة شهرية تابعة لوزارة التربية الوطنية ، العدد 3، يناير 2002 ، ص  26  
* مقالات في موضوع الفيلم التربوي والمهرجان سبق لي نشرها في جريدة الاتحاد الاشتراكي وجريدة الأحداث المغربية.


!سحر الأعمال التركية

سحر الأعمال التركية!  
دراما متميزة تستحق المشاهدة، وتعمق تيه الانبهار، لكن...؟

منذ سنتين فقط من بث أول مسلسل تركي مدبلج على الشاشة التلفزيونية العربية، القناة الثانية المغرب وإحدى قنوات مجموعة م بي سي، عند  نهاية 2007 بداية 2008، عرفت الدراما التركية، نوعية المسلسلات، إقبالا جماهيريا واسعا، أكدته أرقام قياس المشاهدة  المغربية والعربية، وزكته حرارة اهتمام الشارع العربي الذي انبهر بقصصها الرومانسية، والاجتماعية، والإنسانية، وجماليتها البصرية، واحترافيتها الفنية...  لماذا حققت الدراما التركية حضورا جماهيريا متفوقا؟
دراما جديدة بنكهة عربية ومقومات الدراما المقنعة!
أرى أن نجاح الدراما التركية يعود، بشكل مباشر، إلى كونها جرعة بصرية فنية وفكرية جديدة، يحتاجها المشاهد المغربي والعربي على العموم، بعد الملل الذي شاب الدراما المصرية منذ عقود من الزمن، خففت من وطأة هيمنته المتعبة انتفاضة الدراما السورية، في أواخر الربع الأخير من القرن الماضي، من جهة، بفكرها العربي  القومي، ومن جهة أخرى، بروعة فانتازيا المشهد البصري، بالإضافة إلى أعمال أمريكا اللاتينية، بفكرها المسيحي، التي غازلت، ولا تزال، وجدان المشاهد العربي المقهور بالمحظورات وتبريرات واهية، وأتت الدراما التركية، دولة مسلمة عصرية، لتعمق تيه الانبهار في عمق المشاهد العربي والمسلم..
نجاح يرتكز على عناصر أساسية: أولها، أنها جنسية درامية جديدة أبهرت المشاهد المغربي والعربي؛ ثانيها، تقارب العادات والتقاليد، إلى حد ما، بين المجتمعين التركي والعربي؛ ثالثها، تنوع مواضيعها، واعتمادها قصصا رومانسية، واجتماعية، وإنسانية..؛ رابعتها، اعتمادها أيضا على المشاهد الخارجية، لإبراز جمالية الطبيعة التركية، والتعريف بمواقعها السياحية، والحياة اليومية..؛ خامستها، أنها ذات مصداقية المستويات الفنية، حيث تتسم الدراما التركية بالواقعية الاجتماعية، بعيدا عن نسخ الواقع، ونادرا ما تستعين بتقنيات الفلاش باك، والمؤثرات البصرية..؛ دراما تعالج قضايا اجتماعية ونفسية، وطنية وإنسانية..، فنفس التجارب الإنسانية المتناولة معاشة في مختلف مجتمعات العالم الأرضي، لكن ما يميزها للمتابعة هو الخيال القصصي، والإبداع في نسج حبكة درامية مفعمة بشحنات درامية متضاربة، مثيرة، مؤثرة، ومقنعة في التفاصيل المشهدية والحوارية، يغذيها الطابع ألتعددي للبطولة البعيدة عن الافتعال وألا واقعية، ويقويها البناء الدرامي للشخصيات في صراعاتها وتصادمها وتكاملها، فشخصيات الأطفال، هي الأخرى، ضرورية ومقنعة دراميا، وليس"دووز باللي كاين"؛ بالإضافة إلى نضج الإخراج في اختيار زوايا التصوير، وتعبيرية الإضاءة و الموسيقى..، وفي إدارة حس أداء الممثلين، وتوظيف الرؤيا الدلالية للمخرج، في إطار درامي تصاعدي مثير وشيق، يزداد تشويقا وإثارة مع توالي الحلقات، بالإضافة إلى احترافية عالية عند التقطيع لتمرير الوصلات الاشهارية، وعند نهاية كل حلقة، ما يمكن تعريفه بطعم صنارة الإثارة لمعرفة ردة الفعل أو التحول الدرامي المتوقع؛  سادستها، حسن اختيار العناوين المناسبة ذات شاعرية تعزف على أوتار حساسة في دواخل الإنسان العربي المهزوم، الحزين، المحروم..؛ سابعتها، والتي يجب علينا أن لا نتناساها أو نتجاهلها، هي جسر التواصل بين التركي والعربي، الذي وفرته احترافية الدبلجة الشامية في معايشة الصوت الشامي للانتماء الاجتماعي، والحالة النفسية والحركية للممثل التركي الأصل..
دراما جديدة إلى حين !
دراما جديدة على المشاهد العربي، وتجربة فنية متميزة  بمقومات عناصر الدراما التي سبق ذكر بعضها، فشيء طبيعي أن تحظى بشدة الإقبال الجماهيري على امتداد الوطن العربي من تركيا إلى المغرب، وشيء طبيعي أن يلهب هذا الإقبال الجماهيري تهافت القنوات العربية الأرضية والفضائية عليها؛ وللتذكير، كمشاهد، فالقناة الثانية كانت السباقة إلى بث المسلسل التركي قبل حتى الفضائيات، من خلال مسلسل "إكليل الورد" في نهاية 2007، ويعتبر هذا العمل أول مسلسل تركي تمت دبلجته إلى العربية، بالضبط العامية الشامية، تلاه ثاني عمل مدبلج "سنوات الضياع"، بث أيضا على القناة الثانية، ثم أتت الأعمال الأخرى التي حركت شيئا في نفسية المشاهد العربي..
وبث، لأول مرة، مسلسلا تركيا مدبلجا إلى العربية، لا أعتقد أنه أتى بمحض الصدفة، ولكن لاعتبارات أساسية في تقييم المضمون والشكل الفني، فبالإضافة إلى الحمولة الثقافية، الفكرية، التاريخية، هناك معايير الجودة الفنية والتقنية التي تعتمدها القنوات المتقدمة في اختيار البرامج، وتقييم جودتها، واقتنائها، ثم برمجتها.. فتقديم دراما مدبلجة جديدة، لأول مرة، مغامرة صعبة للغاية، حيث يبقى الهاجس المتعب في مدى تفاعل المشاهد مع هذه الدراما أو تلك، وبالأحرى إن كان مصدرها دولة إسلامية علمانية.. فبالإضافة إلى الرقابة الذاتية، يوضع المشاهد، دائما أمام الأعين، فهو البوصلة التي تقود في البحث الدقيق عن الإنتاجات الجديدة، ووضع الاختيارات البرامجية، فالمشاهد سيد الاختيار.. فغاية أية قناة تلفزيونية، أولا وأخيرا، تلبية رغبات وأهواء مختلف المشاهدين، والدراما التركية تتمتع بمصداقية الدراما الناجحة، المحترمة لنفسها، على جميع المستويات الفنية، والإقبال الجماهيري على مشاهدتها، على الأرضيات والفضائيات، يؤكد ذلك.. دراما تعتمد العواطف، الانفعال، التشويق، الإقناع، وإثارة الترقب لما سيحدث..
وانتشار الدراما التركية وإقبال المشاهد العربي عليها بهذا الشكل الواسع، أراه حالة صحية، تثير تساؤلات حول حدود العمل الدرامي، والفني بصفة عامة، وشروط نجاحه، وتُعيش المشاهد –المغربي/العربي- هاجس المقارنة بين الذات والآخر التركي،   والبحث عن شروط التطوير وفرض الهوية الدرامية.. وعلينا أن لا ننسى أنه لا شيء يستمر في بيان  تصاعدي أو خط مستقيم، إنها مرحلة انبهار، واكتشاف، ومقارنة، قد تطول، وقد تقصر إلى حين بروز طينة أخرى من الدراما، لما لا الأسيوية، الصينية، الكورية، اليابانية...، فلها ما تقوله في هذا المجال، وبامتياز كبير على مستوى الخيال و الإبداع والتقنية الفنية، وربما الأفريقية بقضاياها وخصوصياتها المحلية... فالجمهور العربي، والمغربي على الخصوص، جمهور مزعج، وذو مزاجية قاسية، يتشبث بالأجود، ويصر دائما على الجديد، والتنوع، والمصداقية الفنية.. لنبعد سوء النية، أو الحقد المجاني، ونعود إلى التاريخ ليفصل في أمر التجربة الدرامية التلفزيونية التركية..
التاريخ والإرادة التركية!
شئنا أم أبينا، تركيا دولة عصرية، تفوح بعبق التاريخ الإسلامي الممزوج بالحضارة الحديثة، دولة تعتز بإرثها الحضاري والتاريخي والإسلامي، ولا يمكن لأي إنسان، مهما كانت قناعته الفكرية، أو الدينية، أو السياسية، إلا أن يقف احتراما وإجلالا لهذا البلد الأصيل المعاصر..  
وللإخبار فقط، نقلا عن مصادر صحفية ودراسات وأبحاث ميدانية، فالدولة التركية لا تملك جريدة رسمية ناطقة باسمها، كما هو معروف في جل البلدان العالمية، فالصحف كلها خاصة، و يفوق عددها 50 جريدة يومية، وأكثر من 20 جريدة أسبوعية، وأكثر  من 2380 جريدة محلية وجهوية، أما المجلات فيتجاوز عددها  2520 مجلة، تغطي مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الرياضية ، وغيرها... في حين تملك الدولة تلفزيونا حكوميا واحدا هو "تي ار تي"؛ ومع العلم أن التلفزيون لم يقتحم الحياة التركية بفعل مستمر إلا في أواسط السبعينات، حينها، ككل البدايات التلفزيونية في العالم المتقدم، السباق تاريخيا إلى التلفزيون، أُعطي الامتياز لدوره الإخباري والتربوي..
وتطوير الدراما التركية،  بالشكل الذي اكتشفته الجماهير العربية،لم ينزل مهيأ بأمر سماوي، وإنما انبثق من الأرض التركية، في بحر الثمانينات من القرن الماضي، من إرادة السياسة الوطنية، إرادة الإنسان، محور الحياة، مع سياسة الانفتاح الاقتصادي والسوق الحرة التي انتهجتها حكومة "اوزال" في 1983، وسط مناخ إقليمي ودولي متوتر وصعب، حيث شهدت تركيا في عهد  "تورغوت اوزال" (1927/1993) إصلاحات جذرية، حررت القطاع الاقتصادي، وخصخصت معظم مشاريع الدولة، بما فيه قطاع الإعلام المكتوب، المسموع والمرئي، وانفتحت على العالم الخارجي الإقليمي والعربي والدولي،.. ففي أواخر الثمانينات من القرن الماضي أُنشأت أول قناة تجارية، مما أجبر السلطة السياسية والقانونية على التسريع بتعديل القوانين لتتماشى والإصلاحات الجديدة، وفي حدود سنوات قليلة ظهرت إلى الوجود العديد من القنوات التلفزيونية.. حددت الدولة الخطوط العامة، وتركت التفاصيل للمنافسة في حدود إستراتيجية تحرير القطاع والنهوض به، وتعزيز الاحترافية،  والالتزام بالمعايير المهنية، وتشجيع التنوع بما يخدم الأداء التلفزيوني على العموم، فنشطت حركة الإنتاج الدرامي، مستعينة بتراكم التجربة السينمائية التركية، فأتمرت المنتوج الوطني بالشكل الاحترافي  الذي انبهرت به الجماهير العربية.. وفي الوقت الحاضر،  يصل عدد القنوات التلفزيونية إلى 15 قناة عمومية، وتقريبا 300 قناة محلية وجهوية عامة، بالإضافة إلى القنوات التي تلتقط عبر "الكابل" و القنوات المشفرة المؤدى عنها...والمحطات التلفزيونية المهمة تملكها، إلى جانب  وسائل إعلام أخرى كالصحافة، الراديو..، مجموعات صناعية كبيرة ومؤثرة في الاقتصاد الوطني؛ و يهيمن على القنوات الخاصة برامج التسلية والترفيه، وبرامج المسابقات، و الموسيقى، والرقص، وبرامج الخيال الدرامي التركي..
ويختلف الشعب التركي عن الشعوب المجاورة والقارة العجوز بحس الإنصات وولع المتابعة للبرامج التلفزيونية، ومحب وعاشق للمسلسلات الوطنية، لما تعكسه من هموم واقع المواطن التركي، وتطلعاته، وقيم الثقافة السائدة في المجتمع التركي، وتساهم في بلورة قيم إنسانية إيجابية في حياة تركيا المعاصرة.. إنها بمثابة برامج التوحد التلفزيوني التركي، حيث تبرمج أسبوعيا على تسع قنوات وطنية، في فترة الذروة، مباشرة بعد الأخبار الرئيسية، ما بين 20 و23، وتتراوح المدة الزمنية لكل حلقة ما بين 70 و90 دقيقة، تشمل تقاطيع الوصلات الإشهارية، بالإضافة إلى إعادة بثها في النهار والأوقات المتأخرة من الليل..  ولع الشعب التركي بالمسلسلات الوطنية منح دينامكية قوية لحركة الإنتاج الوطني، وتضاعف إنتاج المسلسلات الوطنية إلى ثلاث أضعاف في سنوات معدودة ،10 سنوات فقط، وتحتل دائما مقدمة في نسب المشاهدة، تتجاوز نسب مشاهدة بعض مقابلات كرة القدم..  
لكن لماذا التهافت التلفزيوني الجارف...!
نجاح التجربة التركية حصيلة للإرادة السياسية والقانونية لحكومة "أوزال" التي وفرت التسهيلات اللازمة للإصلاح وتحقيق  الانفتاح والتطوير، إرادة تحمل إصرار وطموح الشعب التركي، ومتنفس  للانفتاح على العالم الخارجي العربي، والأوروبي، والعالمي.. السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تتهافت القنوات العربية على الدراما التركية؟ تهافت تذكي حرارته مجموعة فضائية مستقلة؛ هل دافعه تجاري؟ أكيد.. أم القناعة بجودة المنتوج التركي؟ لا شك في ذلك.. أم لأسباب إيديولوجية، باعتبار أن تركيا دولة علمانية، نجحت في فصل الدين عن الدولة، ولهذا لابد أن يكون لها تأثير ودور فعال في بسط الفكر العلماني في أرجاء معمور البلاد العربية والإسلامية ؟ ممكن، ولا يمكن إبعاده عن الحسبان..
محمد رياضي
إعلامي
الدار البيضاء، أكتوبر 2009






حيرة وجود..

  حيرة وجود .. سمة حورية أسطورية، وعناد نخوة جاهلية، وكبرياء أنثى إنسان، بملامح طفلة غامضة دائمة الحزن والابتسامة، صادفها في حيرة وجود، تا...