Thursday, November 8, 2012

الحكاية الثالثة (3): الإسلام وإساءة براءة الغرب (L'Islam et l’offensante innocence de l’Occident (III

متى نجعل من إنسانيتنا قضية؟
العربي أنا وحكايات الإنسان الآخر!

الحكاية الثالثة (5/3):     الإسلام وإساءة براءة الغرب
                             من المسؤول ؟

إهداء : إلى أي مسلم إنسان، يناضل بقناعة أضعف الإيمان كواجب الفرد تجاه دينه وهويته وإنسانيته، في ظلال النكسات المذلة، وخذلان الدكتاتوريات المتواطئة، وحرقة شماتة "جولدا مايير" المسيئة لكل عربي ومسلم:"عندما أحرقنا القدس لم أنم طيلة الليل، وتوقعت أن العرب سيأتون نازحين من كل حدب وصوب نحو إسرائيل، فعندما بزغ الصباح علمت وأيقنت أننا أمام أمة نائمة."




           السلطة السياسية والإعلام:      
          الاستبداد مرتع الفساد، والسلطة الكلاسيكية المستبدة، التي اعتمدت شرعيتها على القوة والعنف، والطغيان القاهر، بكل أساليبه، لاضطهاد الفكر المضاد، وفرض الطاعة، وتدبير الشأن العام، لم تعد تُرعب الشعوب في زمن العالم قرية صغيرة، باتت السلطة السياسية المعاصرة تستمد مشروعيتها، وضمان استمراريتها، من الشرعية القانونية المقيدة بالديمقراطية السياسية والاجتماعية، الضامنة للمساواة، والعدالة، والأمن، وحماية المقدسات المكونة للذات والهوية. فظاهرة الحكم المستبد في نسخته العربية تلاشت، أو لنقل لم تبقى بتلك الرعونة القمعية التي كانت عليها، أُزيلت واقتلعت جذورها العائلية، وأخرى تكيفت مجبرة، مع ظروف متغيرات المجتمع الدولي، عن قناعة أو اضطراريا غيرت أساليب القمع القاهر، لتضمن البقاء على كرسي السلطة، لكن إلى متى؟ فالتعاقد، العرفي أو الشرعي، بين الحاكم والمحكوم يقر ويحتم، في الزمن المعاصر، إلزامية النظام بتعزيز الديمقراطية، وحماية حقوق الفرد المواطن، منها الدفاع عن الذات، والمقدسات جزء أساسي في مقومات الهوية. لهذا على الأنظمة والحكومات العربية والإسلامية في عهدها الجديد، بعد فورة الأرض العربية، وتخلص بعض الشعوب من طغاة زمن ذل الاستبداد والقهر، أن تأخذ العبرة، وأن لا تتوقف عند الاستنكار والتنديد، إنها تترآى، بكل أعين العالم، كرسومات كاريكاتورية ساخرة، إلى درجة البكاء الدامي. هذه الحكومات التي أتعبت نفسها بالكلام، المحلى بالعسل المغشوش، أمام وسائل الإعلام لتلعب مسرحية الشجب والاستنكار للفعل الجرمي الذي يمس أكثر من مليار مسلم، وغيرها من كلام الخشب، عليها إيجاد إجراءات سياسية فاعلة، وقانونية صارمة لمحاربة الفساد الفكري الداخلي، والحرية الفكرية العنصرية في الغرب، في هولندا، الدانمرك، النرويج، فرنسا، ألمانيا، سويسرا، إيطاليا، أمريكا، فلن يكل ولن يهدأ الفكر الصليبي الاستعماري، الاستغلالي، العنصري عن مهاجمتنا لكي يحقق مبتغاه، ولن يتاح له ذلك، بسبب الصحوة الإسلامية المؤمنة الكامنة، حتى وإن ربضت سلالة أبي لهب على كراسي الرئاسات العربية، لكن التزام السلطة السياسية الصمت، كأن الأمر سحابة عابرة، وفي أقصى ردة فعلها تستنكر وتندد، سنبقى، الشعب العربي والمسلم، دائما ضحية الاستفزاز، والإهانة، والتحقير، من القيادة إلى الطفل، دون الطفل الفلسطيني، البطل الأسطورة، الذي تحدى، منذ 1948، إن لم أقل منذ وقاحة بلفور الاستحواذية، بصدره الطفولي وإيمانه الفطري، الرصاص والآليات الحربية، رافضا الركوع، والمساومة، وحياة الذل، لأن كرامته  من كرامة أرضه فلسطين.


           فالسلطة السياسية، باعتبارها سلطة الدولة لفرض النظام، تتحمل مسؤولياتها الشرعية، السياسية والإدارية والإعلامية والقانونية، في إدانة الفعل باعتباره إنكارا لمبادئ مواثيق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ موقف موحد ضاغط على الأنظمة والحكومات الغربية المتبنية للفكر المنحرف المتعصب ضد الإسلام، وفي رفع دعاوي قضائية موحدة ضد مرتكبي فعل الإساءة الشنيع، الذي لا علاقة له بالحرية الفكرية. ولن يتمكن الإعلام القيام برسالته الإعلامية، محليا وعالميا، إن لم ترفع عنه السلطة السياسية وصاية التبعية والإملاء، والتهميش للكفاءات الفاعلة، فالاستقلالية المسؤولة تعمق في الإعلامي المتمكن الإيمان برسالته الإعلامية، وتتيح له حرية الاجتهاد، وتفتح مجال التنافسية ليمارس مهمته بفنية وإبداع وضمير مهني مسؤول، بطبيعة الحال في إطار احترام أخلاقيات المهنة، والالتزام بالمواثيق الإعلامية الوطنية والدولية. ألم ننقل كل شيء عن المستعمر؟ فلننهج نهجه مع ديمقراطية الكيل بمكيالين في الحرية الفكرية.


       التلفزيون والرسالة الإعلامية:    
           التلفزيون، إلى جانب وسائل إعلام أخرى، أداة اتصال جماهيري تمتلك مقومات سحر الإقناع، والتأثير السريع والفعال، والانتشار الأوسع، باستقطاب اهتمام وعقول أكبر عدد من المشاهدين، من كل الأعمار والأجناس، بما توفره من لحظات الفرجة والمتعة والإفادة، عبر مواد ثقافية وفكرية تساهم في التنشئة والتكوين، والتغيير والإصلاح، وخلق الرأي العام الموجه، ومحاربة ثقافة الفساد الفكري الداخلي والأجنبي. إنها أداة التصحيح والتغيير وخلق الدوافع، بالاعتماد على فاعلية الصورة التلفزيونية كلغة بصرية أكثر بلاغة وتأثيرا من الكلمة في الثقافة المعاصرة، عصر الصورة، حيث باتت الصورة، بواقعيتها، وخيالها، ورمزيتها، وسحرها، صناعة متقنة فنيا، ومحكمة المصداقية في خلق أي رأي عام موجه قطريا، جهويا أو دوليا. فالصورة، لغة بصرية مؤثرة، لغة التوصيل والتواصل محليا وعابرة للحدود عبر العالم، حتى جعلته قرية صغيرة. لهذا، فالجمهور العالمي المعاصر جمهور الصورة، جمهور اللغة البصرية، وعلى إعلامنا العربي والإسلامي الوصول إليه بالصورة، وإقناعه بلغة بصرية فنية ساحرة، تعانق بقوة المصداقية جوهر المضمون وحقيقته العميقة، يستحي منها إبليس نفسه، ويؤمن بها، ويتقبلها، وينحني لها رغما عنه، من خلال برامج إنسانية تستمد خامتها الفنية من واقع البيئة الإسلامية، لاستكشاف روح الإسلام كعقيدة إنسانية، دين العالمين، دين عبادة وسلوك، وتجعلنا، بذاتنا الإسلامية، وخصوصية واقعنا الاجتماعي العربي الإسلامي، مشاركين في الحياة الإنسانية العالمية، برامج وأعمال ببعدها الإنساني تتجاوز حدود الزمان والمكان، والحساسيات الضيقة، تستهوي القلب والعقل بفنيتها ومصداقية معالجة مضامينها، فإن كان المشاهد العربي والمسلم ينفر من مشاهدة غالبية برامجنا العربية والإسلامية، الحوارية والدرامية والكوميدية، بسبب الابتذال والسذاجة، والنمطية المحلية، والثرثرة المملة، وافتقادها اللمسة الفنية ومتعة اللغة البصرية، فما بالنا مع مشاهدين في مجتمعات لا تتفق وثقافتنا، ومعتقدنا الديني، وقيمنا الحضارية؟. فالموهبة الفنية والقدرة على المعالجة البصرية ببعدها الإنساني الناضج، بعيدا عن الاندفاع والحماس الطائش، بعيدا عن اللحظة العابرة والانفعال الطارئ، لا تتحقق إلا بفكر إعلامي مستقل، ممنهج، وهادف؛ والنضج الإعلامي من النضج السياسي، لا يولد بالفطرة، ولا يُمنح، ولا يُشترى، وإنما يصير بحرية الفكر، والكفاءة المهنية، والاجتهاد المتواصل، ومصداقية الرسالة الإعلامية المسؤولة..

         في خضم التكاثر العشوائي للقنوات الفضائية والأرضية، الحضور التلفزيوني الصعب تجاهله، قطريا ودوليا، يحتم ضرورة إعادة النظر في سلبيات ذهنية السلطة السياسية في علاقتها مع الإعلام التلفزيوني، ووضع إستراتيجية إعلامية علمية، مسايرة للمتغيرات المتسارعة، من خلال شبكات برامج متنوعة، مفيدة وممتعة ومسلية، ذات أهداف متكاملة وفاعلة في التربية والتنشئة والتكوين، الثقافي والسياسي والاجتماعي.
  
       القنوات العربية والإسلامية:
يتبع..
                                                                                      محمد رياضي
                                                                                       الدار البيضاء، أكتوبر 2012



Monday, November 5, 2012

الحكاية الثالثة (2): الإسلام وإساءة براءة الغرب ( L'Islam et l’offensante innocence de l’Occident (II

متى نجعل من إنسانيتنا قضية؟
العربي أنا وحكايات الإنسان الآخر!

الحكاية الثالثة (2/5):     الإسلام وإساءة براءة الغرب
                             من المسؤول ؟

إهداء : إلى أي مسلم إنسان، يناضل بقناعة أضعف الإيمان كواجب الفرد تجاه دينه وهويته وإنسانيته، في ظلال النكسات المذلة، وخذلان الدكتاتوريات المتواطئة، وحرقة شماتة "جولدا مايير" المسيئة لكل عربي ومسلم:"عندما أحرقنا القدس لم أنم طيلة الليل، وتوقعت أن العرب سيأتون نازحين من كل حدب وصوب نحو إسرائيل، فعندما بزغ الصباح علمت وأيقنت أننا أمام أمة نائمة."



             التحديات والإسلام: 
            انكسارات عصيبة عاشتها الأمة العربية والإسلامية في التاريخ المعاصر، ومنذ إستقلالاتها المشروطة، والوجدان والتاريخ الإسلامي يستلزمان طرح استفسارات عن مصداقية وفاعلية السلطة السياسية وإعلامها الرسمي في عدة قضايا مصيرية، وصد عدوانية الغرب العنصرية الاستغلالية، وفرض الذات. ما الغاية من تفريخ المنطقة العربية والإسلامية من إمكانيات التنمية، وبالخصوص البشرية؟ لماذا، بعناد أرعن، تعمدت بعض الرئاسات إلى تغييب إستراتيجية عربية إسلامية موحدة؟ لماذا لم يتم وضع تحالف أمني عسكري موحد؟ ما حقيقة "نكسة حزيران 67"؟، وما ردة الفعل العربي الإسلامي عندما أحرق المسجد الأقصى، الجريمة الفاجعة التي هزت الكيان الإسلامي؟ تراوحت بين الانكماش داخل الصمت الذليل، وعويل اللاءات الفارغة، وسلام سبات عميق، أعنف خطيئة عربية إسلامية في تحقير الذات وتشويهها، والإسلام بريء من ذلك، لدرجة أن مرتكبي الإحراق، اقتنعوا عند بزوغ شمس اليوم التالي من جريمتهم بعدمية العرب بصفة نهائية، وآمنوا، بقناعة روحية، بأحقية قيامهم بالجريمة الشنعاء في حق المسجد الأقصى، ولكم شهادة "جولدا مايير" في ذلك: "عندما أحرقنا القدس لم أنم طيلة الليل، وتوقعت أن العرب سيأتون نازحين من كل حدب وصوب نحو إسرائيل، فعندما بزغ الصباح علمت وأيقنت أننا أمام أمة نائمة.". ومن لا يعرف "جولدا مايير"، فليسأل عنها أرض الكرامة فلسطين.


            بعد جريمة الإحراق وتوالي النكسات الضاربة في عمق نفسية المسلم، والعربي على العموم، فشيء طبيعي أن يسترجل أي فاشل ناقض لإنسانيته في المجتمع الغربي الخليط، بذريعة حرية الفكر، على إهانة المسلمين. فعدة مرات تطاولت العقلية التافهة على النبي محمد (ص) والإسلام، وماذا كانت ردود فعل السلطات السياسية في الدول المحسوبة على الإسلام؟ لم تتجاوز حركات استعراضية محتشمة في التنديد والاستنكار، في الوقت الذي احتدت حرقة القلوب الشعبية، تحملها أناس بسطاء، في انتفاضات صاخبة وغليان عارم هنا وهناك؛ وفي أقصى صرامة الموقف السياسي، الحافظ لماء الوجه، بقناعة أضعف الإيمان، الدعوة إلى مقاطعة بضاعة الدولة المنتجة للسخافة المسيئة للإسلام، موقف جريء من المسلم المؤمن، صاحب المبادرة، والدولة الإسلامية التي تبنت موقف المقاطعة. موقف كان له أثر مرهق على الاقتصاد الهولندي، لكنها مقاطعة إلى حين قصير. وبعدها، ماذا كسبنا؟ هل رد الاعتبار؟ هل توقف إرهاب الاستفزاز للروح الإسلامية المؤمنة بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الأخر؟ هل وضعت إستراتيجية عربية إسلامية موحدة في اتخاذ موقف سياسي وإجراءات قانونية ضد العنصرية الغربية؟ لا أعتقد ذلك، بل تزايد الاستفزاز العدواني ضد الإسلام بوقاحة سافلة في السنوات  الأخيرة، بذريعة حرية الرأي والتعبير، وفي حقيقة الواقع هي عدوانية تشبه كل أنواع الإرهاب إلا أن تكون حرية فكرية، والغريب في الأمر أن المحاكم الأوروبية باركت المعتدين في عدوانهم البغيض، مما سيشجع أكثر الإرهاب العنصري ضد الإسلام دون خوف من المتابعات القانونية. ألم يصحو المسلمون بعد على حقيقة ديمقراطية الغرب الاستغلالية؟.


       مظاهر سلبية تسيء لصورة الذات المسلمة المؤمنة:
           حراك الصحوة الإسلامية المؤمنة حاضر باستمرار، منذ صدر الإسلام، يصارع من أجل فرض الذات الإسلامية، يساير الأزمنة والأمكنة، لكنه يعاني من مظاهر سلبية مختلفة، تجاوزت المنطق والاتزان الديني الذي أتى به النبي محمد (ص). تُجهضه وتُبعثره أصوات سيئة النوايا، تعد نفسها  من أهل الاهتمام الديني، دعاة السخافة، والانحلال الأخلاقي، ومواضيع الهم الكاذب، أصوات تشجع الغرب المتطرف على الإهانة والتحقير. لكامل الأسف، غالبيتهم فكرهم حبيس الكبت الجنسي، كأنه موضوع الساعة والحسم والخلاص؛ أشخاص مسكونون بعشق ذنوبهم، واحد أتعب نفسه في التخمين في طرق الاستمناء عند المرأة، مع كل الاحترام للمرأة وللقارئ الكريم، فأجاز إمكانية  اعتمادها على الجزر لتحقيق متعتها، نعم لا حياء في الدين، لكن ليس إلى هذه الوقاحة السافرة؛ وآخر أعماه الحقد الاجتماعي، إلى درجة الهبل، عندما شاركت فتاة في اقصائيات غناء عربي، هوسه المعقد لم يمنعه من الاستهزاء وسب والدتها، وذنب الأم الوحيد شدة فرحتها بابنتها؛ وآخر في بلد عربي مسلم حلل الزواج من طفلة في سن التاسعة، بقناعة البالغين "إن كانت تطيق ذلك"، كيف لطفلة التاسعة أن تطيق ذلك؟ أهاته الاستطاعة لمثل سنها؟؛ وشيخ نبيغ آخر، لا مثيل له، يفسر الأحلام على هواه الابليسي،  فألزم من حلم بمعاشرة امرأة أن يتزوجها عند استيقاظه، وإن كانت السيدة متزوجة، على الزوج تطليقها ليتزوجها الحالم. يا لمنطق الشيخ النابغة الذي تجاوز حق الاحتلام والعادة السرية، للفرد مع نفسه، إلى جعل الحلم الجنسي حق شرعي ديني يجب تحقيقه بأي ثمن! أي دين يبرر هذه الشرعية العدوانية؟؛ ومنهم أيضا من استباح مضاجعة جثة الزوجة، وجعله أمرا عاديا ومقبولا؛ أية عقلية بربرية هاته؟ أهو الدين الإسلامي أم هلوسات خريف العمر؟ يا لكبث روح وهواجس إبليس!. ما الفرق بين غباوة الأصوات المتمسلمة وحماقة الصليبي المتطرف الذي تجرأ على إساءة النبي وإهانة الإسلام؟ أم إنهم بيادق رقعة سطرنج المؤامرات الغربية؟ ما موقف السلطات السياسية العربية المسلمة من دعاة الرذالة المسيئة للدين وللفكر الإسلامي؟ أم أنها تدخل في خانة الحرية الفكرية بقناعة ديمقراطية الاحتيال الغربي؟

         أما فيما يتعلق بغليان المدن العربية، بعد بث جزء من مهزلة شريط الإساءة الشنيع، فالمشاهد الإخبارية التي تناقلتها
    وسائل الإعلام العالمية،لنقف فقط عند العربية منها، تسيء للمسلم،وتزيد المتطرف في الغرب إيمانا في حقده وإساءته 
   إلى المسلمين، والإسلام بريء منها. مشاهد تعرض  الهجومات على بعض السفارات الغربية، تكسير ونهب وإحراق،
    وأغرب وأحقر اللقطات، لشاب، لا  أدري إن كان مسلما أو غيره، غنم آلة إيقاع كبيرة الحجم، وأطلق، بكل ما
    استطاع، رجليه للريح، كأنه انتقم للإسلام، وآخر يحمل شاشة آلة حاسوب، يلهث مسرع الخطوات حتى لا يلحق به
    أحد، وغيرها من صور الشماتة ذكرتني بأسباب هزيمة المسلمين في غزوة أحد، بطبيعة الحال مع فارق شرف الغاية بين
    الواقعتين. هذه  الصور تسيء لكل إنسان عربي ومسلم، ولو أننا لا نعلم حقيقة أن الفاعل، الظاهر على الشاشة، شاب
    مسلم فعلا. 
    
           أما حادث اغتيال السفير الأمريكي في سفارة بنغازي، مهد ثورة ليبيا الحرة، فأشك في أن يكون من تدبير أبطال
      الثورة الليبية، لأن الاستنفار الأمني حالة طبيعية تلازم سفارات الولايات المتحدة الأمريكية في بقاع العالم، وفي الدول
      العربية والإسلامية على الخصوص، تفرض حولها، بشكل مستفز للسلطة الحاكمة ولأهل المدينة، حراسة مشددة، 
      إسمنتية، بشرية، والكترونية، في الأيام العادية الهادئة، وبالأحرى في حالات الهيجان والانفلات الأمني، فالتشدد
      الأمني يتضاعف، لذلك أرى أن مقتل السفير الأمريكي تصفية حسابات المواقف الأمريكية، وهذا الموضوع لا يعنيني،
      لكن نندد بمثل هذه الاعتداءات القاتلة، والإسلام ليس مسؤولا عنها. أين الإعلام العربي الإسلامي المسؤول في
      التدقيق والمتابعة وكشف الملابسات؟
      
السلطة السياسية والإعلام:
 يتبع..
                                                                                      محمد رياضي
                                                                                       الدار البيضاء، أكتوبر 2012

Friday, November 2, 2012

الحكاية الثالثة (1): الإسلام وإساءة براءة الغرب (L'Islam et l’offensante innocence de l’Occident (I

متى نجعل من إنسانيتنا قضية؟
العربي أنا وحكايات الإنسان الآخر!

الحكاية الثالثة (1/5):                                                             الإسلام وإساءة براءة الغرب
                                                                                       من المسؤول ؟

إهداء : إلى أي مسلم إنسان، يناضل بقناعة أضعف الإيمان كواجب الفرد تجاه دينه وهويته وإنسانيته، في ظلال النكسات المذلة، وخذلان الدكتاتوريات المتواطئة، وحرقة شماتة "جولدا مايير" المسيئة لكل عربي ومسلم:"عندما أحرقنا القدس لم أنم طيلة الليل، وتوقعت أن العرب سيأتون نازحين من كل حدب وصوب نحو إسرائيل، فعندما بزغ الصباح علمت وأيقنت أننا أمام أمة نائمة."

             الإساءة، حرية إرهابية:
             مع أواسط العشرية الأولى من الألفية الثالثة، بذريعة الحرية الفكرية، تزايد العنف اللفظي، والاستفزاز العرقي ضد الإسلام والمسلمين في الغرب، عبر نشر، وإعادة نشر، الرسومات الكاريكاتورية المسيئة إلى النبي محمد (ص)، ورفع شعارات معادية للإسلام، بالإضافة إلى سخافة أشرطة مشاهد تافهة، بعيدة عن فنون الإبداع الدرامي السمعي البصري بكل أصنافه، تسيء إلى النبي محمد (ص)، والإسلام، والعرق العربي على العموم. تستند، بغير شك، إلى قاعدة عنصرية متطرفة، مستمدة من ذهنية صليبية استعمارية، مدعمة بمزاجية قانونية احتيالية، متسامحة مع إرهاب الإساءة، والاستفزاز العنصري، بالدفاع وتبرئة المتحاملين على النبي محمد (ص) والإسلام، مما جعله بالتالي موقفا سياسيا رسميا للأنظمة والمؤسسة الحكومية في الدانمرك، النرويج، هولندا، ألمانيا، إيطاليا، سويسرا، فرنسا وغيرها.. موقف غريب وغير إنساني، يتعارض والمواثيق الدولية، وقوانين المجتمع الأوروبي نفسه الذي يحظر المس في شرف السيدة مريم العذراء، والتشخيص المسيء للشخصيات والمقدسات الدينية. فأين الموقف العربي الإسلامي الموحد من هذه المزاجية الغربية العنصرية المعقدة؟ 



         أزلام المؤامرات والإسلام:
            العالم مليء بصغار العقول، والقلوب المريضة، صدورهم مشحونة بالحقد المجاني، فوضويون، غير عابئين لا بدستور الأرض، ولا بعدالة السماء، يتواجدون في كل مجتمعات الأرض، مستعدون لكل ما هو دنيء وحقير، إنهم أزلام المؤامرات المحلية والجهوية والعالمية. نفسية خرقاء، عربية وعجمية، تفقد الاستقرار، وتعيش على الهامش، وتُستخدم في افتعال فتن وحروب هنا وهناك، ولإطاحة، من حين لآخر، بهذه الشرعية أو تلك، على مدى مراحل متعاقبة من زمن الهيمنة الاستعمارية وسياسة الاستغلال التي تشكك في الإيمان الروحي، وتلغي الحس الوطني والقومي والإنساني على العموم. سعيها السيطرة على عقل الفرد، والتحكم في مصير العالم، وربما يراودها وهم تدبير خطة خبيثة لنشوب حرب عالمية ثالثة، يدور رحاها المدمر في المنطقة العربية، لاستغلال ثرواتها، وجعلها مقبرة الجحيم للمسلمين والعرق العربي على العموم. لهذا، من حين لأخر، العقول الفاشلة، بشعار حرية الرأي والتعبير، وبدعم وقح  للقوى السياسية العنصرية المساندة بالقانون الاستحواذي، تتطاول على الإسلام، وتستفز المسلمين بالإساءة إلى النبي محمد (ص)، خاتم الأنبياء، جوهر روح المسلمين، الجامع للوجدان والفكر الإسلامي الإنساني، فلماذا تتطفل عليه العقلية الغربية الفاسدة، وتتعمد إحراق وجدان المسلم؟ ألتذله، وتلغي عقله، وتتحكم في مصيره؟ وعندما لم يعد طائعا لهواها، تتدبر أمر فضحه وتشويهه، وجعله فريسة شعبه، وأضحوكة التاريخ، كما وقع لبعض الأنظمة العربية المستبدة، خونة أوطانهم والقضية العربية؟ إنه شكل من الاستغلال العنيف، في استرقاق ضعاف النفوس، وافتعال الأحداث، وخلق أي رأي عام عدواني، يبرر أي تدخل أو غزو إرهابي فردي ودولي، لذلك لن يتعب الاستعمار الجديد في إيجاد، من حين لآخر، في حضيض مجتمعه الوغد التافه للتحامل على الإسلام، واستثارة غضب المؤمنين، وتحريض القلوب الساذجة، التي تسترزق بالدين، إلى خلق الفتن، ويجعل من الحقير المُسخر  بطلا رمزيا للحرية والصليب، ومن السذج المتمسلمين حطب النار المفتعلة لتبرير إساءته البغيضة ضد الإسلام، إنها الصورة الرمزية لبطولة الاحتيال في ديمقراطية الاستعمار الجديد.

  
              ديمقراطية الاحتيال والإسلام:
              تنبني ديمقراطية الاحتيال الغربي على تحالف مبيت بين السلطة السياسية والإعلامية والقانونية المتطرفة، في دعم وتبرئة مجرمي إرهاب الإساءة والإقصاء العنصري، والإخلال بالتزامات المواثيق الدولية، فشيء طبيعي أن يتزايد الإرهاب الروحي والفكري ضد الإسلام، والاستفزاز العرقي ضد المسلمين. فقبل أيام سببت سخافة طيش لقيط وجد مهده في أرض العم سام،  غضبا إسلاميا في الوطن العربي، وبقاع أخرى من العالم، وأشدها عنفا الحادث الذي أودى بحياة السفير الأمريكي في ليبيا، باعتبار أن اللقيط الطائش تبنته الجنسية الأمريكية، وهو عبارة عن مهزلة شريط لقطات تافهة، لا مصداقية له مضمونا وفنيا، ألزموه عنوانا حساسا مستفزا لمشاعر المسلمين "براءة المسلمين"/   The innocence of Muslims، وبعدها، يدعون في خرجاتهم الصحفية أن الشريط المهزلة لا يهدف إلى مهاجمة المسلمين، ولكن إلى إظهار العقيدة المدمرة للإسلام. لنساير الغبي على حد بلادته، فهل إظهار العقيدة المدمرة للإسلام هي الإساءة إلى النبي محمد (ص)؟ ماذا تريد أن تقول السلطة السياسية الأمريكية بهذا التبني المتعصب المغلوط؟ ما الغاية من ذلك؟
·        أين إعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال ومظاهر التمييز العنصري ؟
·         أين قوانين المجتمع الغربي التي تحضر وتجرم الإساءة إلى الشخصيات والمقدسات الدينية؟    
·         أين المواثيق الدولية التي تقوم علي مبدأي الكرامة والتساوي؟
·        أين المواثيق الدولية التي تجرم إثارة الفتن على أساس العرق أو اللون أو الدين؟ 
·        أين إعلان الأمم المتحدة في تحقيق التعاون الدولي دون تمييز بأي سبب من الأسباب؟
·        ...

             أم هي ديمقراطية التفرقة والسيادة العنصرية؟ لا داعي لذلك، فدكتاتوريات مستعمراتها، رغما عنها، كانت وفية لشروط الطاعة الواجبة للبقاء على سلطة النفوذ، لكن إلى متى؟ فمهما طال زمن الفساد والذل يثور غضب الأرض الأصيلة، وتنقلب على سادة فسادها، فالتاريخ لا يرحم، تذكروا الانتفاضات الشعبية في العراق، تونس، مصر، ليبيا، اليمن، ومنذ أكثر من 18 شهرا في أرض الشام العربية، وستنتصر بإرادة الشعب، مهما أخرها، على حساب تقتيل المواطنين، وتدمير الوطن، ضغط مساومات المصالح الغربية والشيوعية والإيرانية، وينتهي حكم استبداد آل الهررة بلا رجعة.

            أم هي مؤامرات مؤسسات اللوبي الصهيوني؟ ربما، لكن ليس فقط الإسرائيلي، فالعربي والمتمسلم لهما دور فاعل أساسي وداعم في تقوية التبعية الذليلة وهيمنة طغيان قوى آل صهيون في الشرق والغرب.

        لكن ما يحيرني ليس ماذا تريد أمريكا، والغرب عموما، أو، كما يصيح الكثيرون، المؤامرة الصهيونية؟ بل ماذا أوصل مثل هذا البغيض النكرة، حضيض المجتمع الإنساني، إلى جمع المال وإنتاج تفاهة مشاهد تسيء إلى النبي محمد (ص)؟ 

        الجواب، الذي يتبادر إلى الذهن، بسيط، واضح وجلي للعموم، بطبيعة الحال ضعف الإيمان، ومؤامرة الصمت المتبادل، وخذلان مساومات الأنظمة العربية، التي أزاحتها الثورات الشعبية الأخيرة، وكشفت خفايا تاريخها الخائن، وطنيا وقوميا.

            التحديات والإسلام: 
يتبع..
                                                                                      محمد رياضي
                                                                                                 الدار البيضاء، أكتوبر 2012

Monday, June 25, 2012

الحكاية الثانية: روح الانتماء ووعي المسؤولية !!

                       
متى نجعل من إنسانيتنا قضية؟
العربي أنا وحكايات الإنسان الآخر!

إهداء: إلى الإنسان العربي المؤمن ب : "مازلت أؤكد أن العـمل الصعب هو تغيير الشعوب، أما تغيير الحكومات فإنه يقع تلقائياً عندما تريد الشعوب ذلك.."  تحياتي
 

الحكاية الثانية:روح الانتماء ووعي المسؤولية !!

       إنها حكاية شعب الفلسفة، شعب العقل، الشعب المؤمن بالمفكرين وليس بالخطباء، شعب الوقت لا يرحم، كالسيف إن لم تقطعه قطعك، الشعب المدرك لوطنيته، والمتحكم في أفكاره ومواقفه، الشعب الذي هدته الحرب العالمية الثانية، وبسواعد النساء، ومن تحت الرماد، والدمار، وثقل عقوبات الحرب، انتفض فينيقيا مسؤولا على معايير وطنيته وإنسانيته؛ إنه الشعب الألماني.

روح الانتماء الألماني:
    قبل أسابيع أجبر رئيس ألمانيا "كريستيان فولف" على الاستقالة بسبب حملة صحفية كشفت القناع عن فضيحة استغلال نفوذ، ارتكبها الرئيس عام 2008، عندما كان يتولى عمدة ولاية "ساكسونيا السفلى"، حيث حصل على قرض عقاري منخفض الفائدة، غير قانوني لمن في منصبه، مما جعله، عن قصد أو دونه، يختلس فارق الفائدة.
وفي شدة التهاب الحملة الصحفية، لم يقر السيد الرئيس فقط بالمخالفة، وإنما ارتكب خطأ فادحا، حيث هاتف رئيس تحرير صحيفة "بيلد"، إحدى الصحف  الأكثر شعبية وإثارة في ألمانيا، ما يزيد عن 4 ملايين نسخة يوميا، صحيفة إثارة وتشويق وفضائح، من نوعية صحافة الشارع، أو ما تعرف بالجرائد الصفراء، وطلب منه تأجيل نشر تفاصيل القرض فقط ليوم واحد، وهدده باتخاذ إجراءات قضائية ضد الصحيفة إن لم يلتزم بالمدة المطلوبة. وبما أن ألمانيا من الدول التي تتمتع فيها الصحافة بحرية واسعة في تقصي الحقائق، والوصول إلى المعلومة، ونشر الخبر، لم يستسلم رئيس التحرير لتهديدات رئيس الدولة، وعمل بما يمليه عليه ضميره المهني والوطني، وقام بتعرية تفاصيل القرض الممنوح لسيادة الرئيس، عندما كان عمدة الولاية المذكورة أعلاه، فوقع "كريستيان فولف"، رئيس الدولة، في موقف لا يحسد عليه، ولم يجد من يحامي عنه تهمة استغلال النفوذ وخرق القانون، لدرجة أن بعض أعضاء الحزب الديمقراطي المسيحي، الذي ينتمي إليه، تموقفوا  علانية مع الحق والقانون، إيمانا منهم بأن الخطأ خطأ بغض النظر عن من ارتكبه، وتبرؤوا من فعلته، وأصروا على إقالته، بقناعة موضوعية ثابتة، بأنه لم يعد يحظى بثقة "معظم" الشعب الألماني، ولأن الصحافة حرة ومسؤولة، والشعب متشبع بروح الانتماء، لم ينقسم الشارع الألماني بين مؤيد ومعارض، فالوطن فوق كل اعتبارات، والوطنية لا تحجب الحقيقة، ومرفوض المزايدة عليها، فاضطر السيد الرئيس إلى ترك كرسي الرئاسة دون تعنت أرعن، كالاختباء الكاريكاتوري تحت  الغربال بحماية قوات صديقة أو دولية، أو التشبث بكرسي الرئاسة مهما كلفه من عناد دامي ومدمر لشعبه ووطنه.

الوطنية والوعي الشعبي:
وقبل أسابيع من استقالة السيد الرئيس، أرغم وزير الدفاع الألماني "كارل تيودور تسوغو تنبرغ"، هو الآخر، على ترك منصبه بقوة مصداقية الصحافة المؤثرة والموقف الشعبي المسؤول؛ ويحظى "كارل تيودور تسوغو تنبرغ" ، عضو قيادي في الحزب المسيحي الاجتماعي، بشعبية واسعة، وكان من المرتقب ترشيحه لمنصب مستشار ألمانيا في المرحلة المقبلة، لكن تسير الرياح بما لا تشتهي السفن، حيث ألزمته حملة صحفية مباغتة وشرسة على الاستقالة، لم تشفع له معها شعبيته وعضويته الحزبية، والسبب إزالة الغبار عن فضيحة أدبية تتعلق برسالة دكتوراه، حصل عليها عام 1999، حيث لم يشر إلى مصادر الفقرات المقتبسة، التي اعتمدها في رسالته، مما اعتبر سرقة فكرية.
دون تردد اعترف السيد الوزير بما نسب إليه، ورغم تأكيده أنه جاء عن سهو غير مقصود، لم يجد بدا من الاستسلام وتقديم  استقالته، ليس فقط من منصبه الحكومي، بل ومن كافة مسؤولياته السياسية والحزبية، ولم ينقسم الشارع الألماني، باختلاف شرائحه وتنوع قناعاتها الفكرية، بين مؤيد ومعارض، فوطنيتهم لا تعمي بصيرتهم في إدراك الحقيقة والتحليل وآخذ الموقف، إنها رباط مقدس بروح الانتماء الألماني، بعيدا عن التبعية وعبادة الأشخاص، ما يعزز قناعة مالكوم إكس، شهيد "الثورة السوداء" في أمريكا الخمسينات، »  على الوطنية أن لا تعمي أعيننا عن رؤية الحقيقة، فالخطأ خطأ بغض النظر عن من صنعه أو فعله.».   قد تكون استقالة الوزير والرئيس عادية ومقبولة في ذهنية الشعب الألماني والقوانين الحاكمة لمجتمعه، لكن ماذا لو وقعت في المجتمع العربي؟

خوف الرئيس وجنون الرئاسة:
إذا عرجنا إلى العالم العربي والإسلامي فالوضع يختلف، فالزعامات العربية خلقتها  ظروف الحركات الوطنية المنظمة ضد المستعمر؛ وبكفاح الشعوب، ونضالها، وتضحياتها، العمياء فداء لأوطانها، تحررت الأوطان العربية تباعا من جشع مخالب مستعمريها. وبعد الإستقلالات المشروطة، شئنا أم أبينا مشروطة، تملكت الديماغوجية والانتهازية بعض الزعامات، ولتحقيق نزوات مزاجية امتطت صهوة الشعوبية، وامتصت وفاء الانتماء، وضللت المسار الوطني. وبعدها انقلبت تلك الزعامات على الملكيات، بتهمة الخيانة ورفض توريث الملك، ونصبت نفسها على  جمهوريات في نسخها العربية. هلل من هلل، واغتيل من عاكس التيار، وتدبرت الرئاسات أيضا التخلص من رفقاء الانقلابات، تجنبا لأية مزايدة  من حيث لا تدري على كرسي الرئاسة. وفعلا تحققت لها السيادة، ومن حينها وهي تربض على كراسي الجمهوريات، وآلياتها الإعلامية، بكل أشكالها،  تُعتم، وتُعظم، وتُزغرد كما يحلو لها، ومن يشكر العروس غير أمها وحاشيتها، ومن يرى غير ذلك تساومه  الرئاسات، فاستمالت المثقف الانتهازي الفاعل الإيجابي لسلطتها وفكرها السائد، وانزوى المثقف المفكر الواعي المرفوض إلى الصمت الصامد، في حين ألجمت الرئاسات، بيد من حديد، فاه مثقف الفكر المعارض والناقد. وبسلطة الإرهاب دبرت الرئاسات شؤون شعوبها، وعاشت الشعوب العربية ما عاشته من ذل، وهوان، وتخويف، وترهيب، وعاش من الرؤساء جنون السلطة إلى حد التهريج الغبي، لكن بعد اندحار تلك الرئاسات الإرهابية انكشفت، بالصورة والكلمة،كواليس الوصاية الغربية، بمعسكريها الشرقي والغربي سابقا، في وصول تلك القيادات، مدنية كانت أم عسكرية، إلى كراسي رئاسات الجمهوريات العربية،كما لن نستطيع نسيان المشاهد الإعلامية المشوهة للرئيس والإنسان العربي في رمزية صدام حسين، ثم ما عرته  الأحداث التي عرفها العالم العربي، بعد هروب بن علي، وانشلال حسني مبارك، وتشويه علي صالح، وإخماد هستيرية القذافي، ونعرة جنون بشار الذي أقسم بإبليس جهنم أن يذبح الشعب، ويحرقه، ويدمره على أن يتخلى عن كرسي الجمهورية العربية السورية.  

صناعة الخوف والتماهي بالمتسلط:  
هل وصلنا إلى مستوى الفكر  الألماني المتحضر والمسؤول رئاسيا ووزاريا وشعبيا؟
لا أعتقد ذلك، فالشعوب العربية، بدرجات متفاوتة، من "الرئيس إلى الرضيع"، يتملكها هاجس الخوف، تعيش الحزن، والذعر، والإحباط، ف ».. الأمة العربية لها أسس فريدة من نوعها.. جميع الأمم مقوماتها اللغة والتاريخ والدين، ما عدا الأمة العربية، فمقوماتها اللغة والتاريخ والدين والخوف.. » على حد تعبير الشاعر والأديب السوري محمد الماغوط؛ إحباط اشتد إلى السخط وتبخيس الذات، والحقد المدمر للهوية والوطن. فالفكر الرئاسي عند العرب فكر مزاجي، استبدادي، تسلطي، يستند إلى ذهنية الراعي والقطيع ـ قطيع ليس بالذكاء الفردي والجماعي في مجمع النحل والنمل وغيرها من القطيع المنظم ـ ذهنية تلغي العقل، وتصنع الخوف، وتعزز ظاهرة "التماهي بالمتسلط"، لتجعلها من مسلمات الواقع العادي في مجتمع القطيع البليد، تتحكم فيه مزاجية سلطة الهيبة والترهيب، وتكريس ثقافة الخوف والتبعية الانتهازية. وليضفي الشرعية لإرهابه يستهوي الرئيس الخائف، صاحب هذه الذهنية الاستحواذية، القلوب المريضة من الجماهير والمثقفين وأصحاب الذقون، ويجد ضالته في الماضي، السلف الصالح الذي ولى، وأصبح وهما، يمجده، ويجعل نفسه قبلة النجاح، ومن أدار وجهه إلى غير وجهته يعتبر زنديقا،كافرا، وخائنا، ولا خيرا يرجى منه، ويجد من يفتي بجواز حماقاته، وتناقضاته، وإرهابه، إنها سلطة مزاجية الظلام، الظلامية التي تجعل التخلي عن كرسي الرئاسة في الوطن العربي من المعجزات. وأكدت التجارب الحية، التي عاشتها الساحات العربية، منذ اندلاع ثورة المواطن التونسي المفاجئة، أن التخلي عن كرسي الرئاسة، ليس بالأمر السهل، كالقناعة الوطنية الألمانية المسؤولة، حيث دفعت الشعوب أرواحا شهيدة بريئة وساخطة ثمنا لذلك، ولا يزال الشعب السوري الحر يواصل استشهاده في كل لحظة من أجل التغيير وإصلاح ما أفسده الحزب الواحد، من أجل غد أفضل وكريم.  

الوقاحة الرهيبة والوقاحة السافلة:
هذا بالنسبة للرئاسات، ماذا عن وزراء الحكومات العربية المتعاقبة منذ الاستقلالات الموجهة؟ لحد علمي المتواضع لم أسمع عن وزير تنحى عن طيب خاطر  ـ باستثناء القائد العربي جمال عبد الناصر، الذي تنحى عن قناعة وطنية وهو رئيس دولة مصر، والتاريخ يشهد على ذلك، اسألوه!ـ  أو إثر حملة صحفية ملتهبة، إلا من سخط عليه الرئيس، أو ضاعت منه مظلة الحزب الحاكم. فالوزير العربي، لا أعمم بطبيعة الحال، ألصقت به صفة الوقاحة الرهيبة، أشرسهم وزارة الداخلية، ويجهد لإطالة زمن استوزاره، ولا مانع لتغيير التخصص، المهم أن يستوزر، ويا ويل من خولت له نفسه أن يفكر في التشويش عليه، فحماية المنصب السامي أو الحزبي تنصره، وإن وقع كبش فداء، وأُبعد عن منصبه، لن يتردد في ارتداء قميص حزب آخر؛ والوقاحة السافلة في الوطن العربي، رغم سمعته الفاسدة، لا يتردد الحزب الآخر، في احتضانه؛ ومن هؤلاء الوقح من يتدبر، وبمباركة رسمية، تبررتها أبواق الديمقراطية الشعبوية، أمر إنشاء حزب خاص به؛ والغريب، هنا الطامة الكبرى، يجد في الشوارع العربية من يتبعه، ويهلل له ولحزبه الجديد، وينتخبه، وبقوة قادر يُحشر الفاسد الوقح داخل مجلس الشعب، أو الشورى، أو البرلمان، سموه ما شئتهم، ويتساوى، بكل ابتزاز إرهابي عنيف، المجرم السفاح بالمنتخب المؤتمن على حقوق الناخبين. أرجوكم، لا تبرروا سلبية الشعوب بالحاجة والعوز ونسبة الأمية العالية، وإنما الباعث المستبد بالغالبية هو الخوف، والجوع الروحي، والوطنية الفارغة إلا من الانتهازية. وتستمر الوقاحة بأساليب وألوان مختلفة بين الراعي والقطيع، لكن إلى متى؟

إلى متى؟
لماذا يتشبث الرئيس العربي بتعنته الأرعن؟ ففي يوم من الأيام سيودع، وسيلعنه التاريخ وهو في قبره، فالتاريخ لا يعرف "أذكروا أمواتكم بالخير"؛ وإلى متى تستمر الروح الجائعة والذهنية المتخلفة هي السائدة ؟ فالشعوب التي لا تمتلك مصيرها، شعوب متخلفة، وتتحمل مسؤوليتها في الوضع البئيس الذي تتمرغ فيه منذ إبعاد وجود المستعمر العسكري، والثورات الشعبية الجامحة التي عرفها الوطن العربي، لم تأت كتمرة إرهاصات فكرية وفلسفية سابقة، ولا بسبب حملات صحفية مؤثرة وذات مصداقية، وإنما اندلعت، من تونس، بثورة شخصية عفوية رافضة للذل والتحقير، و بفضل الفايسبوك والإعلام العالمي والعربي(الجزيرة والعربية) عمت، بسرعة الحريق، معظم الوطن العربي، نتيجة سخط سنوات القمع، والحرمان، والفساد، والتنكيل، والترهيب ، والتخويف، والوقاحة المستبدة. لكن من وراءها؟ سؤال يطرح أكثر من علامة استفهام.. ومن الوهم أن ينجرف شعب لا يمتلك مصيره، ويفتقد روح الانتماء، وبات عبئا على الوطن، إلى تحقيق التغيير والإصلاح وبناء مجتمع ديمقراطي محترم وكريم. ومن النفاق القول أننا سنحقق ثورة النهوض المتحضر والمسؤول، رئاسيا ووزاريا وشعبيا، إن لم تؤمن الشعوب بإرادتها في الإدراك الواعي لحقوقها وواجباتها، وتمتلك الجرأة في التحليل واتخاذ المواقف في قضاياها، ما لله لله وما للأرض للأرض، فالشعوب هي التي تغير، وتصلح، وتصنع التاريخ وليس الرؤساء، إنها قضيتنا الكبرى، التي أصر عليها الشيخ محمد الغزالي في قولته  »مازلت أؤكد أن العـمل الصعب هو تغيير الشعوب، أما تغيير الحكومات فإنه يقع تلقائياً عندما تريد الشعوب ذلك.. ».  فمتى نجعل من إنسانيتنا قضية؟ 
والحكاية الموالية..
                                               محمد رياضي
                                                              الدار البيضاء: ماي 2012


حيرة وجود..

  حيرة وجود .. سمة حورية أسطورية، وعناد نخوة جاهلية، وكبرياء أنثى إنسان، بملامح طفلة غامضة دائمة الحزن والابتسامة، صادفها في حيرة وجود، تا...