Friday, November 2, 2012

الحكاية الثالثة (1): الإسلام وإساءة براءة الغرب (L'Islam et l’offensante innocence de l’Occident (I

متى نجعل من إنسانيتنا قضية؟
العربي أنا وحكايات الإنسان الآخر!

الحكاية الثالثة (1/5):                                                             الإسلام وإساءة براءة الغرب
                                                                                       من المسؤول ؟

إهداء : إلى أي مسلم إنسان، يناضل بقناعة أضعف الإيمان كواجب الفرد تجاه دينه وهويته وإنسانيته، في ظلال النكسات المذلة، وخذلان الدكتاتوريات المتواطئة، وحرقة شماتة "جولدا مايير" المسيئة لكل عربي ومسلم:"عندما أحرقنا القدس لم أنم طيلة الليل، وتوقعت أن العرب سيأتون نازحين من كل حدب وصوب نحو إسرائيل، فعندما بزغ الصباح علمت وأيقنت أننا أمام أمة نائمة."

             الإساءة، حرية إرهابية:
             مع أواسط العشرية الأولى من الألفية الثالثة، بذريعة الحرية الفكرية، تزايد العنف اللفظي، والاستفزاز العرقي ضد الإسلام والمسلمين في الغرب، عبر نشر، وإعادة نشر، الرسومات الكاريكاتورية المسيئة إلى النبي محمد (ص)، ورفع شعارات معادية للإسلام، بالإضافة إلى سخافة أشرطة مشاهد تافهة، بعيدة عن فنون الإبداع الدرامي السمعي البصري بكل أصنافه، تسيء إلى النبي محمد (ص)، والإسلام، والعرق العربي على العموم. تستند، بغير شك، إلى قاعدة عنصرية متطرفة، مستمدة من ذهنية صليبية استعمارية، مدعمة بمزاجية قانونية احتيالية، متسامحة مع إرهاب الإساءة، والاستفزاز العنصري، بالدفاع وتبرئة المتحاملين على النبي محمد (ص) والإسلام، مما جعله بالتالي موقفا سياسيا رسميا للأنظمة والمؤسسة الحكومية في الدانمرك، النرويج، هولندا، ألمانيا، إيطاليا، سويسرا، فرنسا وغيرها.. موقف غريب وغير إنساني، يتعارض والمواثيق الدولية، وقوانين المجتمع الأوروبي نفسه الذي يحظر المس في شرف السيدة مريم العذراء، والتشخيص المسيء للشخصيات والمقدسات الدينية. فأين الموقف العربي الإسلامي الموحد من هذه المزاجية الغربية العنصرية المعقدة؟ 



         أزلام المؤامرات والإسلام:
            العالم مليء بصغار العقول، والقلوب المريضة، صدورهم مشحونة بالحقد المجاني، فوضويون، غير عابئين لا بدستور الأرض، ولا بعدالة السماء، يتواجدون في كل مجتمعات الأرض، مستعدون لكل ما هو دنيء وحقير، إنهم أزلام المؤامرات المحلية والجهوية والعالمية. نفسية خرقاء، عربية وعجمية، تفقد الاستقرار، وتعيش على الهامش، وتُستخدم في افتعال فتن وحروب هنا وهناك، ولإطاحة، من حين لآخر، بهذه الشرعية أو تلك، على مدى مراحل متعاقبة من زمن الهيمنة الاستعمارية وسياسة الاستغلال التي تشكك في الإيمان الروحي، وتلغي الحس الوطني والقومي والإنساني على العموم. سعيها السيطرة على عقل الفرد، والتحكم في مصير العالم، وربما يراودها وهم تدبير خطة خبيثة لنشوب حرب عالمية ثالثة، يدور رحاها المدمر في المنطقة العربية، لاستغلال ثرواتها، وجعلها مقبرة الجحيم للمسلمين والعرق العربي على العموم. لهذا، من حين لأخر، العقول الفاشلة، بشعار حرية الرأي والتعبير، وبدعم وقح  للقوى السياسية العنصرية المساندة بالقانون الاستحواذي، تتطاول على الإسلام، وتستفز المسلمين بالإساءة إلى النبي محمد (ص)، خاتم الأنبياء، جوهر روح المسلمين، الجامع للوجدان والفكر الإسلامي الإنساني، فلماذا تتطفل عليه العقلية الغربية الفاسدة، وتتعمد إحراق وجدان المسلم؟ ألتذله، وتلغي عقله، وتتحكم في مصيره؟ وعندما لم يعد طائعا لهواها، تتدبر أمر فضحه وتشويهه، وجعله فريسة شعبه، وأضحوكة التاريخ، كما وقع لبعض الأنظمة العربية المستبدة، خونة أوطانهم والقضية العربية؟ إنه شكل من الاستغلال العنيف، في استرقاق ضعاف النفوس، وافتعال الأحداث، وخلق أي رأي عام عدواني، يبرر أي تدخل أو غزو إرهابي فردي ودولي، لذلك لن يتعب الاستعمار الجديد في إيجاد، من حين لآخر، في حضيض مجتمعه الوغد التافه للتحامل على الإسلام، واستثارة غضب المؤمنين، وتحريض القلوب الساذجة، التي تسترزق بالدين، إلى خلق الفتن، ويجعل من الحقير المُسخر  بطلا رمزيا للحرية والصليب، ومن السذج المتمسلمين حطب النار المفتعلة لتبرير إساءته البغيضة ضد الإسلام، إنها الصورة الرمزية لبطولة الاحتيال في ديمقراطية الاستعمار الجديد.

  
              ديمقراطية الاحتيال والإسلام:
              تنبني ديمقراطية الاحتيال الغربي على تحالف مبيت بين السلطة السياسية والإعلامية والقانونية المتطرفة، في دعم وتبرئة مجرمي إرهاب الإساءة والإقصاء العنصري، والإخلال بالتزامات المواثيق الدولية، فشيء طبيعي أن يتزايد الإرهاب الروحي والفكري ضد الإسلام، والاستفزاز العرقي ضد المسلمين. فقبل أيام سببت سخافة طيش لقيط وجد مهده في أرض العم سام،  غضبا إسلاميا في الوطن العربي، وبقاع أخرى من العالم، وأشدها عنفا الحادث الذي أودى بحياة السفير الأمريكي في ليبيا، باعتبار أن اللقيط الطائش تبنته الجنسية الأمريكية، وهو عبارة عن مهزلة شريط لقطات تافهة، لا مصداقية له مضمونا وفنيا، ألزموه عنوانا حساسا مستفزا لمشاعر المسلمين "براءة المسلمين"/   The innocence of Muslims، وبعدها، يدعون في خرجاتهم الصحفية أن الشريط المهزلة لا يهدف إلى مهاجمة المسلمين، ولكن إلى إظهار العقيدة المدمرة للإسلام. لنساير الغبي على حد بلادته، فهل إظهار العقيدة المدمرة للإسلام هي الإساءة إلى النبي محمد (ص)؟ ماذا تريد أن تقول السلطة السياسية الأمريكية بهذا التبني المتعصب المغلوط؟ ما الغاية من ذلك؟
·        أين إعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال ومظاهر التمييز العنصري ؟
·         أين قوانين المجتمع الغربي التي تحضر وتجرم الإساءة إلى الشخصيات والمقدسات الدينية؟    
·         أين المواثيق الدولية التي تقوم علي مبدأي الكرامة والتساوي؟
·        أين المواثيق الدولية التي تجرم إثارة الفتن على أساس العرق أو اللون أو الدين؟ 
·        أين إعلان الأمم المتحدة في تحقيق التعاون الدولي دون تمييز بأي سبب من الأسباب؟
·        ...

             أم هي ديمقراطية التفرقة والسيادة العنصرية؟ لا داعي لذلك، فدكتاتوريات مستعمراتها، رغما عنها، كانت وفية لشروط الطاعة الواجبة للبقاء على سلطة النفوذ، لكن إلى متى؟ فمهما طال زمن الفساد والذل يثور غضب الأرض الأصيلة، وتنقلب على سادة فسادها، فالتاريخ لا يرحم، تذكروا الانتفاضات الشعبية في العراق، تونس، مصر، ليبيا، اليمن، ومنذ أكثر من 18 شهرا في أرض الشام العربية، وستنتصر بإرادة الشعب، مهما أخرها، على حساب تقتيل المواطنين، وتدمير الوطن، ضغط مساومات المصالح الغربية والشيوعية والإيرانية، وينتهي حكم استبداد آل الهررة بلا رجعة.

            أم هي مؤامرات مؤسسات اللوبي الصهيوني؟ ربما، لكن ليس فقط الإسرائيلي، فالعربي والمتمسلم لهما دور فاعل أساسي وداعم في تقوية التبعية الذليلة وهيمنة طغيان قوى آل صهيون في الشرق والغرب.

        لكن ما يحيرني ليس ماذا تريد أمريكا، والغرب عموما، أو، كما يصيح الكثيرون، المؤامرة الصهيونية؟ بل ماذا أوصل مثل هذا البغيض النكرة، حضيض المجتمع الإنساني، إلى جمع المال وإنتاج تفاهة مشاهد تسيء إلى النبي محمد (ص)؟ 

        الجواب، الذي يتبادر إلى الذهن، بسيط، واضح وجلي للعموم، بطبيعة الحال ضعف الإيمان، ومؤامرة الصمت المتبادل، وخذلان مساومات الأنظمة العربية، التي أزاحتها الثورات الشعبية الأخيرة، وكشفت خفايا تاريخها الخائن، وطنيا وقوميا.

            التحديات والإسلام: 
يتبع..
                                                                                      محمد رياضي
                                                                                                 الدار البيضاء، أكتوبر 2012

Monday, June 25, 2012

الحكاية الثانية: روح الانتماء ووعي المسؤولية !!

                       
متى نجعل من إنسانيتنا قضية؟
العربي أنا وحكايات الإنسان الآخر!

إهداء: إلى الإنسان العربي المؤمن ب : "مازلت أؤكد أن العـمل الصعب هو تغيير الشعوب، أما تغيير الحكومات فإنه يقع تلقائياً عندما تريد الشعوب ذلك.."  تحياتي
 

الحكاية الثانية:روح الانتماء ووعي المسؤولية !!

       إنها حكاية شعب الفلسفة، شعب العقل، الشعب المؤمن بالمفكرين وليس بالخطباء، شعب الوقت لا يرحم، كالسيف إن لم تقطعه قطعك، الشعب المدرك لوطنيته، والمتحكم في أفكاره ومواقفه، الشعب الذي هدته الحرب العالمية الثانية، وبسواعد النساء، ومن تحت الرماد، والدمار، وثقل عقوبات الحرب، انتفض فينيقيا مسؤولا على معايير وطنيته وإنسانيته؛ إنه الشعب الألماني.

روح الانتماء الألماني:
    قبل أسابيع أجبر رئيس ألمانيا "كريستيان فولف" على الاستقالة بسبب حملة صحفية كشفت القناع عن فضيحة استغلال نفوذ، ارتكبها الرئيس عام 2008، عندما كان يتولى عمدة ولاية "ساكسونيا السفلى"، حيث حصل على قرض عقاري منخفض الفائدة، غير قانوني لمن في منصبه، مما جعله، عن قصد أو دونه، يختلس فارق الفائدة.
وفي شدة التهاب الحملة الصحفية، لم يقر السيد الرئيس فقط بالمخالفة، وإنما ارتكب خطأ فادحا، حيث هاتف رئيس تحرير صحيفة "بيلد"، إحدى الصحف  الأكثر شعبية وإثارة في ألمانيا، ما يزيد عن 4 ملايين نسخة يوميا، صحيفة إثارة وتشويق وفضائح، من نوعية صحافة الشارع، أو ما تعرف بالجرائد الصفراء، وطلب منه تأجيل نشر تفاصيل القرض فقط ليوم واحد، وهدده باتخاذ إجراءات قضائية ضد الصحيفة إن لم يلتزم بالمدة المطلوبة. وبما أن ألمانيا من الدول التي تتمتع فيها الصحافة بحرية واسعة في تقصي الحقائق، والوصول إلى المعلومة، ونشر الخبر، لم يستسلم رئيس التحرير لتهديدات رئيس الدولة، وعمل بما يمليه عليه ضميره المهني والوطني، وقام بتعرية تفاصيل القرض الممنوح لسيادة الرئيس، عندما كان عمدة الولاية المذكورة أعلاه، فوقع "كريستيان فولف"، رئيس الدولة، في موقف لا يحسد عليه، ولم يجد من يحامي عنه تهمة استغلال النفوذ وخرق القانون، لدرجة أن بعض أعضاء الحزب الديمقراطي المسيحي، الذي ينتمي إليه، تموقفوا  علانية مع الحق والقانون، إيمانا منهم بأن الخطأ خطأ بغض النظر عن من ارتكبه، وتبرؤوا من فعلته، وأصروا على إقالته، بقناعة موضوعية ثابتة، بأنه لم يعد يحظى بثقة "معظم" الشعب الألماني، ولأن الصحافة حرة ومسؤولة، والشعب متشبع بروح الانتماء، لم ينقسم الشارع الألماني بين مؤيد ومعارض، فالوطن فوق كل اعتبارات، والوطنية لا تحجب الحقيقة، ومرفوض المزايدة عليها، فاضطر السيد الرئيس إلى ترك كرسي الرئاسة دون تعنت أرعن، كالاختباء الكاريكاتوري تحت  الغربال بحماية قوات صديقة أو دولية، أو التشبث بكرسي الرئاسة مهما كلفه من عناد دامي ومدمر لشعبه ووطنه.

الوطنية والوعي الشعبي:
وقبل أسابيع من استقالة السيد الرئيس، أرغم وزير الدفاع الألماني "كارل تيودور تسوغو تنبرغ"، هو الآخر، على ترك منصبه بقوة مصداقية الصحافة المؤثرة والموقف الشعبي المسؤول؛ ويحظى "كارل تيودور تسوغو تنبرغ" ، عضو قيادي في الحزب المسيحي الاجتماعي، بشعبية واسعة، وكان من المرتقب ترشيحه لمنصب مستشار ألمانيا في المرحلة المقبلة، لكن تسير الرياح بما لا تشتهي السفن، حيث ألزمته حملة صحفية مباغتة وشرسة على الاستقالة، لم تشفع له معها شعبيته وعضويته الحزبية، والسبب إزالة الغبار عن فضيحة أدبية تتعلق برسالة دكتوراه، حصل عليها عام 1999، حيث لم يشر إلى مصادر الفقرات المقتبسة، التي اعتمدها في رسالته، مما اعتبر سرقة فكرية.
دون تردد اعترف السيد الوزير بما نسب إليه، ورغم تأكيده أنه جاء عن سهو غير مقصود، لم يجد بدا من الاستسلام وتقديم  استقالته، ليس فقط من منصبه الحكومي، بل ومن كافة مسؤولياته السياسية والحزبية، ولم ينقسم الشارع الألماني، باختلاف شرائحه وتنوع قناعاتها الفكرية، بين مؤيد ومعارض، فوطنيتهم لا تعمي بصيرتهم في إدراك الحقيقة والتحليل وآخذ الموقف، إنها رباط مقدس بروح الانتماء الألماني، بعيدا عن التبعية وعبادة الأشخاص، ما يعزز قناعة مالكوم إكس، شهيد "الثورة السوداء" في أمريكا الخمسينات، »  على الوطنية أن لا تعمي أعيننا عن رؤية الحقيقة، فالخطأ خطأ بغض النظر عن من صنعه أو فعله.».   قد تكون استقالة الوزير والرئيس عادية ومقبولة في ذهنية الشعب الألماني والقوانين الحاكمة لمجتمعه، لكن ماذا لو وقعت في المجتمع العربي؟

خوف الرئيس وجنون الرئاسة:
إذا عرجنا إلى العالم العربي والإسلامي فالوضع يختلف، فالزعامات العربية خلقتها  ظروف الحركات الوطنية المنظمة ضد المستعمر؛ وبكفاح الشعوب، ونضالها، وتضحياتها، العمياء فداء لأوطانها، تحررت الأوطان العربية تباعا من جشع مخالب مستعمريها. وبعد الإستقلالات المشروطة، شئنا أم أبينا مشروطة، تملكت الديماغوجية والانتهازية بعض الزعامات، ولتحقيق نزوات مزاجية امتطت صهوة الشعوبية، وامتصت وفاء الانتماء، وضللت المسار الوطني. وبعدها انقلبت تلك الزعامات على الملكيات، بتهمة الخيانة ورفض توريث الملك، ونصبت نفسها على  جمهوريات في نسخها العربية. هلل من هلل، واغتيل من عاكس التيار، وتدبرت الرئاسات أيضا التخلص من رفقاء الانقلابات، تجنبا لأية مزايدة  من حيث لا تدري على كرسي الرئاسة. وفعلا تحققت لها السيادة، ومن حينها وهي تربض على كراسي الجمهوريات، وآلياتها الإعلامية، بكل أشكالها،  تُعتم، وتُعظم، وتُزغرد كما يحلو لها، ومن يشكر العروس غير أمها وحاشيتها، ومن يرى غير ذلك تساومه  الرئاسات، فاستمالت المثقف الانتهازي الفاعل الإيجابي لسلطتها وفكرها السائد، وانزوى المثقف المفكر الواعي المرفوض إلى الصمت الصامد، في حين ألجمت الرئاسات، بيد من حديد، فاه مثقف الفكر المعارض والناقد. وبسلطة الإرهاب دبرت الرئاسات شؤون شعوبها، وعاشت الشعوب العربية ما عاشته من ذل، وهوان، وتخويف، وترهيب، وعاش من الرؤساء جنون السلطة إلى حد التهريج الغبي، لكن بعد اندحار تلك الرئاسات الإرهابية انكشفت، بالصورة والكلمة،كواليس الوصاية الغربية، بمعسكريها الشرقي والغربي سابقا، في وصول تلك القيادات، مدنية كانت أم عسكرية، إلى كراسي رئاسات الجمهوريات العربية،كما لن نستطيع نسيان المشاهد الإعلامية المشوهة للرئيس والإنسان العربي في رمزية صدام حسين، ثم ما عرته  الأحداث التي عرفها العالم العربي، بعد هروب بن علي، وانشلال حسني مبارك، وتشويه علي صالح، وإخماد هستيرية القذافي، ونعرة جنون بشار الذي أقسم بإبليس جهنم أن يذبح الشعب، ويحرقه، ويدمره على أن يتخلى عن كرسي الجمهورية العربية السورية.  

صناعة الخوف والتماهي بالمتسلط:  
هل وصلنا إلى مستوى الفكر  الألماني المتحضر والمسؤول رئاسيا ووزاريا وشعبيا؟
لا أعتقد ذلك، فالشعوب العربية، بدرجات متفاوتة، من "الرئيس إلى الرضيع"، يتملكها هاجس الخوف، تعيش الحزن، والذعر، والإحباط، ف ».. الأمة العربية لها أسس فريدة من نوعها.. جميع الأمم مقوماتها اللغة والتاريخ والدين، ما عدا الأمة العربية، فمقوماتها اللغة والتاريخ والدين والخوف.. » على حد تعبير الشاعر والأديب السوري محمد الماغوط؛ إحباط اشتد إلى السخط وتبخيس الذات، والحقد المدمر للهوية والوطن. فالفكر الرئاسي عند العرب فكر مزاجي، استبدادي، تسلطي، يستند إلى ذهنية الراعي والقطيع ـ قطيع ليس بالذكاء الفردي والجماعي في مجمع النحل والنمل وغيرها من القطيع المنظم ـ ذهنية تلغي العقل، وتصنع الخوف، وتعزز ظاهرة "التماهي بالمتسلط"، لتجعلها من مسلمات الواقع العادي في مجتمع القطيع البليد، تتحكم فيه مزاجية سلطة الهيبة والترهيب، وتكريس ثقافة الخوف والتبعية الانتهازية. وليضفي الشرعية لإرهابه يستهوي الرئيس الخائف، صاحب هذه الذهنية الاستحواذية، القلوب المريضة من الجماهير والمثقفين وأصحاب الذقون، ويجد ضالته في الماضي، السلف الصالح الذي ولى، وأصبح وهما، يمجده، ويجعل نفسه قبلة النجاح، ومن أدار وجهه إلى غير وجهته يعتبر زنديقا،كافرا، وخائنا، ولا خيرا يرجى منه، ويجد من يفتي بجواز حماقاته، وتناقضاته، وإرهابه، إنها سلطة مزاجية الظلام، الظلامية التي تجعل التخلي عن كرسي الرئاسة في الوطن العربي من المعجزات. وأكدت التجارب الحية، التي عاشتها الساحات العربية، منذ اندلاع ثورة المواطن التونسي المفاجئة، أن التخلي عن كرسي الرئاسة، ليس بالأمر السهل، كالقناعة الوطنية الألمانية المسؤولة، حيث دفعت الشعوب أرواحا شهيدة بريئة وساخطة ثمنا لذلك، ولا يزال الشعب السوري الحر يواصل استشهاده في كل لحظة من أجل التغيير وإصلاح ما أفسده الحزب الواحد، من أجل غد أفضل وكريم.  

الوقاحة الرهيبة والوقاحة السافلة:
هذا بالنسبة للرئاسات، ماذا عن وزراء الحكومات العربية المتعاقبة منذ الاستقلالات الموجهة؟ لحد علمي المتواضع لم أسمع عن وزير تنحى عن طيب خاطر  ـ باستثناء القائد العربي جمال عبد الناصر، الذي تنحى عن قناعة وطنية وهو رئيس دولة مصر، والتاريخ يشهد على ذلك، اسألوه!ـ  أو إثر حملة صحفية ملتهبة، إلا من سخط عليه الرئيس، أو ضاعت منه مظلة الحزب الحاكم. فالوزير العربي، لا أعمم بطبيعة الحال، ألصقت به صفة الوقاحة الرهيبة، أشرسهم وزارة الداخلية، ويجهد لإطالة زمن استوزاره، ولا مانع لتغيير التخصص، المهم أن يستوزر، ويا ويل من خولت له نفسه أن يفكر في التشويش عليه، فحماية المنصب السامي أو الحزبي تنصره، وإن وقع كبش فداء، وأُبعد عن منصبه، لن يتردد في ارتداء قميص حزب آخر؛ والوقاحة السافلة في الوطن العربي، رغم سمعته الفاسدة، لا يتردد الحزب الآخر، في احتضانه؛ ومن هؤلاء الوقح من يتدبر، وبمباركة رسمية، تبررتها أبواق الديمقراطية الشعبوية، أمر إنشاء حزب خاص به؛ والغريب، هنا الطامة الكبرى، يجد في الشوارع العربية من يتبعه، ويهلل له ولحزبه الجديد، وينتخبه، وبقوة قادر يُحشر الفاسد الوقح داخل مجلس الشعب، أو الشورى، أو البرلمان، سموه ما شئتهم، ويتساوى، بكل ابتزاز إرهابي عنيف، المجرم السفاح بالمنتخب المؤتمن على حقوق الناخبين. أرجوكم، لا تبرروا سلبية الشعوب بالحاجة والعوز ونسبة الأمية العالية، وإنما الباعث المستبد بالغالبية هو الخوف، والجوع الروحي، والوطنية الفارغة إلا من الانتهازية. وتستمر الوقاحة بأساليب وألوان مختلفة بين الراعي والقطيع، لكن إلى متى؟

إلى متى؟
لماذا يتشبث الرئيس العربي بتعنته الأرعن؟ ففي يوم من الأيام سيودع، وسيلعنه التاريخ وهو في قبره، فالتاريخ لا يعرف "أذكروا أمواتكم بالخير"؛ وإلى متى تستمر الروح الجائعة والذهنية المتخلفة هي السائدة ؟ فالشعوب التي لا تمتلك مصيرها، شعوب متخلفة، وتتحمل مسؤوليتها في الوضع البئيس الذي تتمرغ فيه منذ إبعاد وجود المستعمر العسكري، والثورات الشعبية الجامحة التي عرفها الوطن العربي، لم تأت كتمرة إرهاصات فكرية وفلسفية سابقة، ولا بسبب حملات صحفية مؤثرة وذات مصداقية، وإنما اندلعت، من تونس، بثورة شخصية عفوية رافضة للذل والتحقير، و بفضل الفايسبوك والإعلام العالمي والعربي(الجزيرة والعربية) عمت، بسرعة الحريق، معظم الوطن العربي، نتيجة سخط سنوات القمع، والحرمان، والفساد، والتنكيل، والترهيب ، والتخويف، والوقاحة المستبدة. لكن من وراءها؟ سؤال يطرح أكثر من علامة استفهام.. ومن الوهم أن ينجرف شعب لا يمتلك مصيره، ويفتقد روح الانتماء، وبات عبئا على الوطن، إلى تحقيق التغيير والإصلاح وبناء مجتمع ديمقراطي محترم وكريم. ومن النفاق القول أننا سنحقق ثورة النهوض المتحضر والمسؤول، رئاسيا ووزاريا وشعبيا، إن لم تؤمن الشعوب بإرادتها في الإدراك الواعي لحقوقها وواجباتها، وتمتلك الجرأة في التحليل واتخاذ المواقف في قضاياها، ما لله لله وما للأرض للأرض، فالشعوب هي التي تغير، وتصلح، وتصنع التاريخ وليس الرؤساء، إنها قضيتنا الكبرى، التي أصر عليها الشيخ محمد الغزالي في قولته  »مازلت أؤكد أن العـمل الصعب هو تغيير الشعوب، أما تغيير الحكومات فإنه يقع تلقائياً عندما تريد الشعوب ذلك.. ».  فمتى نجعل من إنسانيتنا قضية؟ 
والحكاية الموالية..
                                               محمد رياضي
                                                              الدار البيضاء: ماي 2012


Wednesday, May 16, 2012

الحكاية الأولى: المسؤولية واحترام الذات !!

                 متى نجعل من إنسانيتنا قضية؟
                 العربي أنا وحكايات الإنسان الآخر!
                
الحكاية الأولى:                                                                المسؤولية واحترام الذات !!
                           

إهداء: إلى العربي الإنسان المؤمن ب: " كن عزيزًا، وإياك أن تنحني، مهما كان الأمر ضروريًا، فـربما لا تأتيك الفرصة كي       
." !ترفع رأسك مرةً أخر 
      منذ أن اقتحمت فكري بعض العلوم الإنسانية، وأدركت قراءة ما بين السطور، وتملكتني قوة الحدس والتخمين وافتراض التوقعات، وانتمائي العربي يوترني إلى درجة المقت المثير للغثيان، ليس لأني أعيش اضطرابا نفسيا للرافض لهويته، أو أعاني عقدة الدونية أمام الآخر، أو.. أو.. وإنما لما يتمرغ فيه العرق العربي، بمختلف دياناته ومعتقداته، من وضع بئيس، حقير،  ومقرف، من الرئيس إلى الرضيع، أمام ديمقراطية وإنسانية الآخر.

     سأحكي لكم حكايات بالاختصار الموقوت باليأس والإحباط، وجليد الصمت المحرق، ربما تهتدون، عبر مقاربة تأملية لما تعرضه تلك الحكايات من ظواهر حياتية ومواقف إنسانية، إلى ما أعاني منه، لكن أنا واثق، بأن أي عربي، إنسان الفكر المتخلف، مهما كانت ديانته وقناعاته، لن يختلف عني في القهر النفسي الذي يؤرقني كمخلوق عربي محاصر في حضيض زبالة الإنسانية التي نحيا فيها.

    حكاياتي، يا ناس، لم آت بها من غابر الأزمان، وإنما من صلب الزمن المعاصر، لا يهم الخصوصيات والجزئيات الدقيقة لحقيقة الواقعة المحكية، أكثر ما تهم العبرة  في شمولية الحكاية.


  المسؤولية واحترام الذات !!
        يحكى، سيداتي سادتي، في الزمن الحديث، أن رئيس دولة أوروبية قام بزيارة لدولة عربية عظيمة بذهبها الأسود، ومن شيم العرب إكرام الضيف، وعند انتهاء زيارة سيادة الرئيس قدم له قائد تلك الدولة العربية هدية رمزية ثمينة، تتشخص في حصان عربي أصيل، وأنتم أدرى بقيمة ومكانة الحصان العربي. وتقديم الهدية عند انتهاء الزيارة من تقاليد ونبل الكرم الإنساني، فرح الضيف، الرئيس الأوروبي، بالهدية، وأخذها معه إلى بلده.

       لحد الآن ليس هناك ما يثير الاستغراب في ما حكيته، لكن العبرة في الآتي من الحكاية.

       عند عودته إلى وطنه، وجد السيد الرئيس نفسه أمام مشكلة عويصة، فهو يسكن شقة وليس قصرا، وعليه إيجاد مكان خاص للهدية الأصيلة بعرقها،  فتقدم سيادة الرئيس بنفسه إلى الفندق الخاص بالأحصنة، ليستفسر في أمر استضافة حصانه العربي. استقبله موظف الإسطبل كأي مواطن عادي، يعلم جيدا أنه السيد رئيس الدولة، وتعامل معه بشكل رسمي دون مجاملات أو خوف ورهبة، أو طمع امتيازي، وأملى على الزبون، السيد رئيس الدولة، شروط وواجب الأداء لاستضافة حصانه، من مأكل، ومشرب، وعناية، وتطبيب، وراحة المقام.. تحمل الزبون المسكين، سيادة الرئيس، عبء المصاريف المباغتة، ومن رقي أخلاق سيادة الرئيس الأوروبي، بعث برسالة إعجاب وشكر وامتنان إلى قائد الدولة العربية على هديته الغالية، استلطف القائد العربي الرسالة، وارتاح لإعجاب السيد الرئيس الأوروبي بالهدية، فبعث له بهدية أخرى مماثلة، تعبيرا عن صدق المودة التي تربطهما، ولكم أن تتصوروا الورطة التي وقع فيها، مرة أخرى، سيادة الرئيس الأوروبي.

        السؤال المطروح ليس لماذا الهدية؟ هذا من نبل وكرم الضيافة العربية، وبرتوكولات العلاقات الإنسانية، والعربية لها طابع خاص، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لو أن قائدا عربيا، ملكا أو رئيسا، توصل بنفس الهدية هل كان سيسلك نفس سلوك هذا الرئيس المتواضع؟ وهل كان سيتصرف الموظف العربي سلوك الموظف الأوروبي المسؤول المتحضر؟

       أكيد تتخيلون الإجابة !
       وحتى إن تواضع القائد العربي، ملكا أو رئيسا، وقام، من حين لآخر، بنفس سلوك الرئيس الأوروبي لن يتركوه وحاله، ليس وفاء وحبا، بل طمعا في سلب صدقة أو نهب امتياز لا يستحقه المتطفل.
     أرجوكم، أبعدوا التبريرات الانهزامية، من قبيل العفوية وغياب الوعي والحاجة، وقد صدق عمر المختار، روح ليبيا اليوم، بنصيحته التاريخية، التي يمتزج فيها احترام الإنسان لنفسه بروح الوطنية، عندما قال:

" كن عزيزًا، وإياك أن تنحني، مهما كان الأمر ضروريًا، فـربما لا تأتيك الفرصة كي ترفع رأسك مرةً أخر."

      فسلوكياتنا يحكمها الفكر المتخلف، فكر الاستلاب وقوى السيطرة والخضوع، وغالبيتنا يؤمنون بشكليات التباهي، ومظاهر الاستهلاك، وألتمسكن، والاتكالية، والتماهي بالمتسلط، والعيش على حساب الغير، وتأسرهم السببية الغيبية في تحديد القيم والمواقف الحياتية، لا لشيء إلا لتنمية الفكر الانتهازي، والحفاظ على الامتياز المرهون بالمحسوبية الجشعة، والتبعية العمياء، والهزيمة الحقيرة، والفساد المستبد، فبات البني آدم العربي، رجلا أو امرأة، يستحلي التباكي، والشفقة، والإحساس بالضعف، وانعدمت فيه القيمة الإنسانية، لا يعير اهتماما لكيف يعيش، المهم أن يحيا، حتى وان كان قواد نفسه أو لنصفه الثاني، مع أسفي الشديد للتعبير، تراه يلف شاربه، وينفخ بطنه، ويزمجر، ويملي الأوامر لتنفيذها بدون مناقشة، معتقدا نفسه إنسانا ولا كل إنسان، وشتان ما بين مخلوق بشري وإنسان، كان قائدا، أو مسؤولا، أو مواطنا.. فمتى نجعل من إنسانيتنا قضية؟. 
ولكم الحكاية الموالية..
                                                                                                              محمد رياضي
الدار البيضاء: أبريل 2012

Friday, March 2, 2012

Flowers of fire! !أزهار النار

إهداء: تحية إلى شهرزاد، الأنثى الرمز.
تحية إلى نساء، من أجل إثبات جدارتهن والحق الإنساني، تحملن مرارة الاضطهاد، المنفى، والسجن، وعنف الاغتيال، شهيدات رفضن ذل الإلغاء، فسكنتهن رغبة لقاء الرب من أجل الذات، والحق، والوطن، والإنسان: الشهيدة سمية بنت الخياط، شادية أبو غزالة، سعيدة المنبهي، سناء محيدلي، دلال المغربي..
       تحية إلى مناضلات تحملن ما لا يتحمله الخيال، لكن إرادتهن قهرت بطش السجان المختل، وغيض الذكورة المخصية، فمقتوا بطولة أنثى الإنسان: المناضلة جميلة بوحيدر، نوال السعداوي، ليلى خالد، فاطنة البيه.. 
       تحية إلى كل أنثى تحترم أنوثتها، وتتشبث بإنسانية الإنسان، إلى الأم، الأخت، الزوجة، الابنة، الصديقة، العشيقة، الحبيبة، الإنسانة.. تحياتي! 


نص:
أزهار النار! 

             في لحظة قلق ونفور، هاربة من الاستسلام العاجز، هاجت عصبيتها الجامحة، فاندلعت شرارة حمم كامنة في الأعماق؛ رمقته أمل بكره شديد ونفور حاد، وولت باكية دون قلب، تخفي وجهها الحزين براحتي يديها الناعمتين، لا تريد أن يلمح أحد عينيها تذرفان دمعات دافئة،حارقة، متمردة..  منذ الصغر، ترعرعت على الخوف، الحياء والخجل، والتباهي بضفيرتها، والخضوع للصمت الطاغي، حتى جعلوه قدرها، ومارسوا عليها حيف الوصاية، فتعودت الاختلاء، لحظة ضعفها، حزنها، حيرتها، والتلهي بأحاسيسها، وتطلعاتها، وأحلامها..

        بعيدا عن مضايقة عيون المكر، والنفوس الخبيثة، في ردهة الشرود الذهني، العزل الانفرادي البارد، الذي تربت على ممارسته على نفسها، يأتي الزمن الضائع، يتوهج وجه أمل، ويستفيق العصيان في دمها، يكسر الأغلال، ويطلق سراح الآهات المخبوءة، والأحلام المحبطة، والتطلعات المغتصبة. وفي صمت المشاعر تنفجر في أعماقها صيحات يعلوها القهر، تصدع شروخا في  السكون الشاحب الذي يأسر إرادتها، فتفيض عيناها سيلا من الدموع الحارقة، ويجتاحها هذيان هستيري، لا يتجاوز كيانها الداخلي..

       بعد لحظات تعود أمل لسكينتها وفظاظة الضجر الممل، وينتابها ضمور وارتخاء شديد، كأنها تخلصت من هم ثقيل،  فركبتها رعشة عنيفة، نفضت جسمها، كحيوان مذبوح يرفض الموت، كررت الانتفاضة بنفور عصبي، مرة ومرات، كأنها تصر على موقف حاسم، أو التخلص من شيء يتعب روحها.. فجأة همدت رعشتها، وركزت عينيها، المغرورقتين بالدموع، في فراغ فضاء عزلتها، وأمعنت النظر مليا، عبر دمعات ضبابية، دمعة، دمعة.. طال التمعن، ونسيت نفسها، إلى أن ابتلعتها نقطة سوداء، وانسلخت عن المكان؛ لفها السواد، وسحبها إلى غيهب الظلام المخيف. ولأنها تؤمن بعناد الشهداء في انتزاع الحق وحرية الأوطان، بنشوة عز العناد حضنت أمل ذاتها المقهورة، واعترى هدوءها المرتجف عاصفة هوجاء، وتسارعت نبضات قلبها، كسحت موضعها المحاصر، فبات قلبا يصارع من أجل البقاء، دقات مرعبة، هزت كيان أمل المرهف، وتدافعت أنفاسها المحمومة الخانقة، ضاق صدرها، وصعب عليها  الاستنشاق بشكل عادي.. ثوان وعادت أمل إلى هدوئها، استجمعت نفسا طويلا، وتغلبت على ضعفها، وبأمل مارد أخذت تعيد نسج أحلام الأنثى المهضومة، وأدوها عند ولادتها، وذنبها رفضت الولاء المزدوج، وتشبثت بحق الوجود الإنساني، فحملوها وزر الشهوانية والشيطنة، وكفروها، وجرموها.. 

 

       في غليانها المحاصر، تجاسرت وقفزت إلى وجه أمل تساؤلات محظورة، فارتجفت عيناها بتخيلات صعبة، أثارت دهشة الخرافة العمياء الطاغية، فاستبد بها الأرق؛ مخلوق ممسوخ الوجه، حالك اللون، مفتول العضلات، أشعت الشعر، ذو شارب أشيب ممتلئ، ولحية شهباء متسخة.. رُعب منظره أعاد أمل إلى واقع لحظتها، لكنها تماسكت، وتعنتت، وعندما أبان عن أنيابه الحادة، تراءت حولها أنياب معقوفة، تتمايل في تخيلات أشكال مرعبة، أفقدتها التحكم  في خوفها، فخانتها إرادتها، وفرت دون اتجاه، هاربة من ذاتها، من ذاكرتها، من ضعفها، من حيرتها، من نفسها.. ولم ترحمها الأنياب الهوجاء، تكالبت حولها، تناسلت، وتكاثرت، واشتد تسلطها، ولاحقتها في كل مكان، لم تترك لها فرصة استرجاع أنفاسها خارج قلعة الظلام، فاحتواها رعب شديد، كأنها استيقظت للتو من كابوس مرعب، كادت أن تخنقها أنفاسها المتلاحقة.. لحظتها، أدركت أمل أنها تقف عند خط النار، لم تعهد نفسها تمردت مرة كما فعلت حينها في معتقلها الاعتيادي، تملكها إحساس غريب على أنها إنسان آخر، شخصية أخرى، أنثى أخرى، شهرزاد تمتلك قوة الصمت الشقي، والوعي الحقاني، وجرأة القتال الخارق. تغلغل التحدي في دمها، أخذت نفسا عميقا، وبعد استعادة هدوئها الطبيعي، جالت نظراتها في صمت الاغتراب النفسي، ظلت جامدة، وسط ذهول مضطرب، لم تنبس ببنت شفة، وفي هدوء حذر دارت، مرة أخرى، نظراتها في فضاء أسرها، خوفا من أن تترصد آذان خائنة همساتها الممنوعة، وآهاتها المرفوضة، ورغباتها المضطهدة، وظلت عيناها ترتعشان في سكون مضطرب اكتسح وجودها.. 


       وهي على تلك الحرقة النفسية، في سكون بارد محفوف بالأوهام الشاقة، فجأة تعلق في فراغ العزل طيف وجه سيدة وقور، استأنست له أمل،  ابتسم لها الوجه، لاطفها بلغة الملامح، وداعبها بنظرات فاحصة، تستفسر في ما يقض مضجعها، وبنفور تلقائي، ثارت أمل في الوجه الطيفي:

 -" من نصبه قاهرا لإنسانيتي؟ من أعطاه حق امتلاكي بعدوانية الرقيق؟ ولماذا يشتهيني ويستلذ تعذيبي؟ لماذا يستحل قهر إرادتي، وتحطيمي، والغائي؟  لماذا؟.. يا الهي لماذا ؟"
بفتور أجابها الوجه الطيفي:
-"مآل أية آمال آمنت بنصف حقيقة، فاستسهلت مهمة اصطيادها!"
باستهزاء تستغرب أمل:
-"أي فكر معقد هذا!.."

        اشتد غضب المخلوق المستبد، الذي يتربص أحلامها، فصفعها بعداء مقيت، عندها تبخر الوجه الطيفي، وابتلعه الفراغ، وعادت أمل إلى لحضتها الآنية، لم تتمالك نفسها، فاحتوتها قوة خارقة، وكالهبلاء انقضت على الفراغ  الكئيب، واحتد عنادها، وازدحمت التخيلات في ذهنها، وطارت بها خارج خناق الصدر، انبسطت ملامحها المنقبضة، كأنها وجدت ما يبسطها، واتخذت لها أسماء مستعارة، ووجوها غير وجهها، وتخلصت من جواز سفرها، وسافرت بأحلامها الممنوعة، خارج حدود الاضطهاد والاستغلال الذليل، في عالم افتراضي ساحر، يقتحم واقع مجتمعها البئيس المحتجز؛ عالم لا يعترف بالحدود وفكر المنع، تعيش ذاتها، وتمارس أنوثتها وحقها الإنساني، تحتج على قهر الإرادة، والتحطيم، والامتلاك، وتلاحق تطلعاتها الهاربة من قسوة ظلم واقع عدواني، يسترجل خلف صمت الموقف الإنساني الذي تلتزم به، والأدهى والأعنف أن تتحامل على نفسها، تعنفها، تلومها، وتحاسبها على استفساراتها، حقوقها وآهاتها الإنسانية، وتتواطأ مع اللغط البليد لإرغامها على قناعة الخضوع، عندها يتملك أمل نفور عصيب، فيتراءى لها الوجه الطيفي من جديد، ويبادرها بالكلام:

 -"ألم أقل لك أنها استسهلت مهمة اصطيادها!"
يتأملها قليلا، ثم يواصل كلامه:
 -"أنت من طبعه على ذلك، فكلما بدت لك جمرة الغيرة في نظراته تنتابك نشوة عابرة، فتتوهمين أشياء لا وجود لها، وتتحاملين على نفسك، وتعيشين الاستسلام! "
      بيأس تعقب أمل:
- " يا له من ضمير مظلم، يشتهي أنوثتي، ويستلذ هدر وجودي الإنساني..!"
لاحت ابتسامة باردة  على الوجه الطيفي، وتلاشى وسط الصمت  الرهيب الذي يأسر المكان..

        بعد يوم شاق، عاندت خلاله التثاؤب المرهق، عادت أمل، في المساء، متعبة إلى بيتها، تلتمس وسادة وغطاء، ولم يستطع الأرق الطاغية أن يمارس طقوسه عليها، فقد اختطفها النوم العميق، وفي لجج الظلام زارها غريمها، النصف الآخر، فقذفته بكلام لم يعهده منها:

   - "لقد عشقت فيك ذاتي!، قاسمتك التفاحة، وجردتني من ثيابي.. وألغيت إنسانيتي، من الذي منحك حق استعبادي؟"
أجابها كمن يريد أن يراضي طفلا مدللا:
    - سأكون ما تشائين يا حبيبتي!!
مع ومضة راحة نفسية عابرة صدت احتياله العاطفي:
-       "لا أثق بك، ولدي أسبابي!"

         عندها، سحب الليل عباءته، وانتزعها من حلمها، واستفاقت، وانقبض صدرها حزنا على الحلم الذي لم يكتمل.
استيقظت باكرا، حيرانة في أمر مهاتفته، وسماع نبراته، فعاودها صوت السيدة الوقور، التي تعودها في شرودها الذهني، يحفزها على الاتصال به، قبل أن تمتلكه دمية تهوى المغامرة، أو بائعة الهوى، ويزحف عليها تسحر الزمن، وتندم على عمرها المغتصب.. اشتدت حيرة أمل، وترددت في مكالمته، أكيد سيرد عليها، عندما يلمح رقمها على شاشة هاتفه المحمول، وربما سيكابر، ويلغي إحساسه، ويمتنع عن الرد؛ لم تستقر على حال، روحها تشتهي، وعقلها يحلل، والواقع يضغط بعدوانية وقحة..

           بعد تركيب رقمه، خرقت أذنيها رنات جرس الباب، مصحوبة بدقات صاخبة متتالية، تناديها لفتح الباب، فتساءلت أمل باندهاش عمن يكون الطارق في صباحية يوم عطلة، فراحت لتتبين من يلح على رؤيتها، عندما انفغرت دفة الباب أصابها الذهول، ولم تقو على فعل شيء، وجدت نفسها أمام باقة ورود زاهية، يفوح منها عطر مشاعر ملونة..  التقت عيناها بعينيه، وتبادلا نظرات تسبر بِصمتها غور كل منهما.. اقتربت منه، دنا منها، ودون وعي منها راحت يدها اليمنى لتستلم باقة الورود المقدمة لها، فتلامست أناملهما، بل تعمدا الملامسة، وتبدد القلق، واشتد الارتباك، ومن وراء ظهره لاح لها وجه السيدة الوقور، فرمتها أمل بنظرة شاردة، وعلى غفلة منه، لغت رقمه بإبهام يدها اليسرى، ودست هاتفها النقال في جيب منامتها، وذابت المسافة بين الوجهين، وتجاذبت الشفاه، والعيون شبه مغمضة، وبثقة هادئة سحبت أمل شفتيها المبتلتين بندى سحر سعادة عابرة، وقذفته بنظرة عميقة، لمست أحاسيسه، فانحنى ليقبلها، بغنج تمنعت، وبكبرياء مالت برأسها إلى الوراء، فاستلطفها بلمسات تداعب خصلات شعرها الأسود الناعم، متدلية على جبين وجه تستحوذ عليه الصرامة وبرودة الإحساس..

         تحمل جفاءها، ومارست عليه أنوثتها، اجتاحته جاذبية عينيها، وسحرته ملامح وجهها، وسرح هائما في مفاتن  جسدها؛ طال التأمل والسرحان الحالم، ولفهما صمت دافئ، أوقظ نزوات نائمة يصعب السيطرة عليها، وانكمشت العيون، تأبى التورط في مغامرة تجهل عقباها، وأطبقت الشفاه على بعضها البعض، تمتص رحيق عاطفة ملتهبة، قبل أن يستعيد الوجه الآخر، لكل منهما، وعيه، ويكشر عن أنيابه.. لحظة، تخلت عنها مشاعرها، وبهدوء تسحب أمل شفتيها، دون أن تبعد عينيها عن عينيه، ظلت صامتة دون حراك، خالية من الإحساس، وغائبة عن المكان.

      بعد حين، أدركت أمل أنها لوحدها في العزل الانفرادي، كانت، كل الوقت، الذي قضته داخله، تكلم وجهها الآخر على قطعة مرايا منسية على حائط غرفة أحلامها المحظورة، قطعة مشقوقة، صدئة وفاسدة ببقع سوداء بيضاء، تشوه وجه الناظر إليها. بملامح حزينة مبتسمة تفحصت طويلا وجهها المشوه، واستجمعت نفسا عميقا، واسترخت لثوان، كأنها تتأهب لنسف انتقامي أو لتنفيذ قرار مصيري، عندها، تركت الوجه المشوه على قطعة المرآة الصدئة، وبعصبية حادة ثارت على نفسها، وأحرقت الخوف، وغادرت الردهة الضيقة، وأعلنت عصيانها، واشتد صراخها؛ قَصفت، وعَصفت، وفَجرت غضبها في العقول البليدة، فاُضطهدت، واُعتقلت، وعُذبت، واغتيلت أكثر من مرة، وفي كل مرة تنبعث كأزهار النار، ويستمر عناد الشهادة في هدم جدار الصمت، وإحراق عرش خرافة المستحيل..
                                                                    محمد رياضي
                                                                    البيضاء، مارس 2012                                                                              

حيرة وجود..

  حيرة وجود .. سمة حورية أسطورية، وعناد نخوة جاهلية، وكبرياء أنثى إنسان، بملامح طفلة غامضة دائمة الحزن والابتسامة، صادفها في حيرة وجود، تا...