Monday, June 25, 2012

الحكاية الثانية: روح الانتماء ووعي المسؤولية !!

                       
متى نجعل من إنسانيتنا قضية؟
العربي أنا وحكايات الإنسان الآخر!

إهداء: إلى الإنسان العربي المؤمن ب : "مازلت أؤكد أن العـمل الصعب هو تغيير الشعوب، أما تغيير الحكومات فإنه يقع تلقائياً عندما تريد الشعوب ذلك.."  تحياتي
 

الحكاية الثانية:روح الانتماء ووعي المسؤولية !!

       إنها حكاية شعب الفلسفة، شعب العقل، الشعب المؤمن بالمفكرين وليس بالخطباء، شعب الوقت لا يرحم، كالسيف إن لم تقطعه قطعك، الشعب المدرك لوطنيته، والمتحكم في أفكاره ومواقفه، الشعب الذي هدته الحرب العالمية الثانية، وبسواعد النساء، ومن تحت الرماد، والدمار، وثقل عقوبات الحرب، انتفض فينيقيا مسؤولا على معايير وطنيته وإنسانيته؛ إنه الشعب الألماني.

روح الانتماء الألماني:
    قبل أسابيع أجبر رئيس ألمانيا "كريستيان فولف" على الاستقالة بسبب حملة صحفية كشفت القناع عن فضيحة استغلال نفوذ، ارتكبها الرئيس عام 2008، عندما كان يتولى عمدة ولاية "ساكسونيا السفلى"، حيث حصل على قرض عقاري منخفض الفائدة، غير قانوني لمن في منصبه، مما جعله، عن قصد أو دونه، يختلس فارق الفائدة.
وفي شدة التهاب الحملة الصحفية، لم يقر السيد الرئيس فقط بالمخالفة، وإنما ارتكب خطأ فادحا، حيث هاتف رئيس تحرير صحيفة "بيلد"، إحدى الصحف  الأكثر شعبية وإثارة في ألمانيا، ما يزيد عن 4 ملايين نسخة يوميا، صحيفة إثارة وتشويق وفضائح، من نوعية صحافة الشارع، أو ما تعرف بالجرائد الصفراء، وطلب منه تأجيل نشر تفاصيل القرض فقط ليوم واحد، وهدده باتخاذ إجراءات قضائية ضد الصحيفة إن لم يلتزم بالمدة المطلوبة. وبما أن ألمانيا من الدول التي تتمتع فيها الصحافة بحرية واسعة في تقصي الحقائق، والوصول إلى المعلومة، ونشر الخبر، لم يستسلم رئيس التحرير لتهديدات رئيس الدولة، وعمل بما يمليه عليه ضميره المهني والوطني، وقام بتعرية تفاصيل القرض الممنوح لسيادة الرئيس، عندما كان عمدة الولاية المذكورة أعلاه، فوقع "كريستيان فولف"، رئيس الدولة، في موقف لا يحسد عليه، ولم يجد من يحامي عنه تهمة استغلال النفوذ وخرق القانون، لدرجة أن بعض أعضاء الحزب الديمقراطي المسيحي، الذي ينتمي إليه، تموقفوا  علانية مع الحق والقانون، إيمانا منهم بأن الخطأ خطأ بغض النظر عن من ارتكبه، وتبرؤوا من فعلته، وأصروا على إقالته، بقناعة موضوعية ثابتة، بأنه لم يعد يحظى بثقة "معظم" الشعب الألماني، ولأن الصحافة حرة ومسؤولة، والشعب متشبع بروح الانتماء، لم ينقسم الشارع الألماني بين مؤيد ومعارض، فالوطن فوق كل اعتبارات، والوطنية لا تحجب الحقيقة، ومرفوض المزايدة عليها، فاضطر السيد الرئيس إلى ترك كرسي الرئاسة دون تعنت أرعن، كالاختباء الكاريكاتوري تحت  الغربال بحماية قوات صديقة أو دولية، أو التشبث بكرسي الرئاسة مهما كلفه من عناد دامي ومدمر لشعبه ووطنه.

الوطنية والوعي الشعبي:
وقبل أسابيع من استقالة السيد الرئيس، أرغم وزير الدفاع الألماني "كارل تيودور تسوغو تنبرغ"، هو الآخر، على ترك منصبه بقوة مصداقية الصحافة المؤثرة والموقف الشعبي المسؤول؛ ويحظى "كارل تيودور تسوغو تنبرغ" ، عضو قيادي في الحزب المسيحي الاجتماعي، بشعبية واسعة، وكان من المرتقب ترشيحه لمنصب مستشار ألمانيا في المرحلة المقبلة، لكن تسير الرياح بما لا تشتهي السفن، حيث ألزمته حملة صحفية مباغتة وشرسة على الاستقالة، لم تشفع له معها شعبيته وعضويته الحزبية، والسبب إزالة الغبار عن فضيحة أدبية تتعلق برسالة دكتوراه، حصل عليها عام 1999، حيث لم يشر إلى مصادر الفقرات المقتبسة، التي اعتمدها في رسالته، مما اعتبر سرقة فكرية.
دون تردد اعترف السيد الوزير بما نسب إليه، ورغم تأكيده أنه جاء عن سهو غير مقصود، لم يجد بدا من الاستسلام وتقديم  استقالته، ليس فقط من منصبه الحكومي، بل ومن كافة مسؤولياته السياسية والحزبية، ولم ينقسم الشارع الألماني، باختلاف شرائحه وتنوع قناعاتها الفكرية، بين مؤيد ومعارض، فوطنيتهم لا تعمي بصيرتهم في إدراك الحقيقة والتحليل وآخذ الموقف، إنها رباط مقدس بروح الانتماء الألماني، بعيدا عن التبعية وعبادة الأشخاص، ما يعزز قناعة مالكوم إكس، شهيد "الثورة السوداء" في أمريكا الخمسينات، »  على الوطنية أن لا تعمي أعيننا عن رؤية الحقيقة، فالخطأ خطأ بغض النظر عن من صنعه أو فعله.».   قد تكون استقالة الوزير والرئيس عادية ومقبولة في ذهنية الشعب الألماني والقوانين الحاكمة لمجتمعه، لكن ماذا لو وقعت في المجتمع العربي؟

خوف الرئيس وجنون الرئاسة:
إذا عرجنا إلى العالم العربي والإسلامي فالوضع يختلف، فالزعامات العربية خلقتها  ظروف الحركات الوطنية المنظمة ضد المستعمر؛ وبكفاح الشعوب، ونضالها، وتضحياتها، العمياء فداء لأوطانها، تحررت الأوطان العربية تباعا من جشع مخالب مستعمريها. وبعد الإستقلالات المشروطة، شئنا أم أبينا مشروطة، تملكت الديماغوجية والانتهازية بعض الزعامات، ولتحقيق نزوات مزاجية امتطت صهوة الشعوبية، وامتصت وفاء الانتماء، وضللت المسار الوطني. وبعدها انقلبت تلك الزعامات على الملكيات، بتهمة الخيانة ورفض توريث الملك، ونصبت نفسها على  جمهوريات في نسخها العربية. هلل من هلل، واغتيل من عاكس التيار، وتدبرت الرئاسات أيضا التخلص من رفقاء الانقلابات، تجنبا لأية مزايدة  من حيث لا تدري على كرسي الرئاسة. وفعلا تحققت لها السيادة، ومن حينها وهي تربض على كراسي الجمهوريات، وآلياتها الإعلامية، بكل أشكالها،  تُعتم، وتُعظم، وتُزغرد كما يحلو لها، ومن يشكر العروس غير أمها وحاشيتها، ومن يرى غير ذلك تساومه  الرئاسات، فاستمالت المثقف الانتهازي الفاعل الإيجابي لسلطتها وفكرها السائد، وانزوى المثقف المفكر الواعي المرفوض إلى الصمت الصامد، في حين ألجمت الرئاسات، بيد من حديد، فاه مثقف الفكر المعارض والناقد. وبسلطة الإرهاب دبرت الرئاسات شؤون شعوبها، وعاشت الشعوب العربية ما عاشته من ذل، وهوان، وتخويف، وترهيب، وعاش من الرؤساء جنون السلطة إلى حد التهريج الغبي، لكن بعد اندحار تلك الرئاسات الإرهابية انكشفت، بالصورة والكلمة،كواليس الوصاية الغربية، بمعسكريها الشرقي والغربي سابقا، في وصول تلك القيادات، مدنية كانت أم عسكرية، إلى كراسي رئاسات الجمهوريات العربية،كما لن نستطيع نسيان المشاهد الإعلامية المشوهة للرئيس والإنسان العربي في رمزية صدام حسين، ثم ما عرته  الأحداث التي عرفها العالم العربي، بعد هروب بن علي، وانشلال حسني مبارك، وتشويه علي صالح، وإخماد هستيرية القذافي، ونعرة جنون بشار الذي أقسم بإبليس جهنم أن يذبح الشعب، ويحرقه، ويدمره على أن يتخلى عن كرسي الجمهورية العربية السورية.  

صناعة الخوف والتماهي بالمتسلط:  
هل وصلنا إلى مستوى الفكر  الألماني المتحضر والمسؤول رئاسيا ووزاريا وشعبيا؟
لا أعتقد ذلك، فالشعوب العربية، بدرجات متفاوتة، من "الرئيس إلى الرضيع"، يتملكها هاجس الخوف، تعيش الحزن، والذعر، والإحباط، ف ».. الأمة العربية لها أسس فريدة من نوعها.. جميع الأمم مقوماتها اللغة والتاريخ والدين، ما عدا الأمة العربية، فمقوماتها اللغة والتاريخ والدين والخوف.. » على حد تعبير الشاعر والأديب السوري محمد الماغوط؛ إحباط اشتد إلى السخط وتبخيس الذات، والحقد المدمر للهوية والوطن. فالفكر الرئاسي عند العرب فكر مزاجي، استبدادي، تسلطي، يستند إلى ذهنية الراعي والقطيع ـ قطيع ليس بالذكاء الفردي والجماعي في مجمع النحل والنمل وغيرها من القطيع المنظم ـ ذهنية تلغي العقل، وتصنع الخوف، وتعزز ظاهرة "التماهي بالمتسلط"، لتجعلها من مسلمات الواقع العادي في مجتمع القطيع البليد، تتحكم فيه مزاجية سلطة الهيبة والترهيب، وتكريس ثقافة الخوف والتبعية الانتهازية. وليضفي الشرعية لإرهابه يستهوي الرئيس الخائف، صاحب هذه الذهنية الاستحواذية، القلوب المريضة من الجماهير والمثقفين وأصحاب الذقون، ويجد ضالته في الماضي، السلف الصالح الذي ولى، وأصبح وهما، يمجده، ويجعل نفسه قبلة النجاح، ومن أدار وجهه إلى غير وجهته يعتبر زنديقا،كافرا، وخائنا، ولا خيرا يرجى منه، ويجد من يفتي بجواز حماقاته، وتناقضاته، وإرهابه، إنها سلطة مزاجية الظلام، الظلامية التي تجعل التخلي عن كرسي الرئاسة في الوطن العربي من المعجزات. وأكدت التجارب الحية، التي عاشتها الساحات العربية، منذ اندلاع ثورة المواطن التونسي المفاجئة، أن التخلي عن كرسي الرئاسة، ليس بالأمر السهل، كالقناعة الوطنية الألمانية المسؤولة، حيث دفعت الشعوب أرواحا شهيدة بريئة وساخطة ثمنا لذلك، ولا يزال الشعب السوري الحر يواصل استشهاده في كل لحظة من أجل التغيير وإصلاح ما أفسده الحزب الواحد، من أجل غد أفضل وكريم.  

الوقاحة الرهيبة والوقاحة السافلة:
هذا بالنسبة للرئاسات، ماذا عن وزراء الحكومات العربية المتعاقبة منذ الاستقلالات الموجهة؟ لحد علمي المتواضع لم أسمع عن وزير تنحى عن طيب خاطر  ـ باستثناء القائد العربي جمال عبد الناصر، الذي تنحى عن قناعة وطنية وهو رئيس دولة مصر، والتاريخ يشهد على ذلك، اسألوه!ـ  أو إثر حملة صحفية ملتهبة، إلا من سخط عليه الرئيس، أو ضاعت منه مظلة الحزب الحاكم. فالوزير العربي، لا أعمم بطبيعة الحال، ألصقت به صفة الوقاحة الرهيبة، أشرسهم وزارة الداخلية، ويجهد لإطالة زمن استوزاره، ولا مانع لتغيير التخصص، المهم أن يستوزر، ويا ويل من خولت له نفسه أن يفكر في التشويش عليه، فحماية المنصب السامي أو الحزبي تنصره، وإن وقع كبش فداء، وأُبعد عن منصبه، لن يتردد في ارتداء قميص حزب آخر؛ والوقاحة السافلة في الوطن العربي، رغم سمعته الفاسدة، لا يتردد الحزب الآخر، في احتضانه؛ ومن هؤلاء الوقح من يتدبر، وبمباركة رسمية، تبررتها أبواق الديمقراطية الشعبوية، أمر إنشاء حزب خاص به؛ والغريب، هنا الطامة الكبرى، يجد في الشوارع العربية من يتبعه، ويهلل له ولحزبه الجديد، وينتخبه، وبقوة قادر يُحشر الفاسد الوقح داخل مجلس الشعب، أو الشورى، أو البرلمان، سموه ما شئتهم، ويتساوى، بكل ابتزاز إرهابي عنيف، المجرم السفاح بالمنتخب المؤتمن على حقوق الناخبين. أرجوكم، لا تبرروا سلبية الشعوب بالحاجة والعوز ونسبة الأمية العالية، وإنما الباعث المستبد بالغالبية هو الخوف، والجوع الروحي، والوطنية الفارغة إلا من الانتهازية. وتستمر الوقاحة بأساليب وألوان مختلفة بين الراعي والقطيع، لكن إلى متى؟

إلى متى؟
لماذا يتشبث الرئيس العربي بتعنته الأرعن؟ ففي يوم من الأيام سيودع، وسيلعنه التاريخ وهو في قبره، فالتاريخ لا يعرف "أذكروا أمواتكم بالخير"؛ وإلى متى تستمر الروح الجائعة والذهنية المتخلفة هي السائدة ؟ فالشعوب التي لا تمتلك مصيرها، شعوب متخلفة، وتتحمل مسؤوليتها في الوضع البئيس الذي تتمرغ فيه منذ إبعاد وجود المستعمر العسكري، والثورات الشعبية الجامحة التي عرفها الوطن العربي، لم تأت كتمرة إرهاصات فكرية وفلسفية سابقة، ولا بسبب حملات صحفية مؤثرة وذات مصداقية، وإنما اندلعت، من تونس، بثورة شخصية عفوية رافضة للذل والتحقير، و بفضل الفايسبوك والإعلام العالمي والعربي(الجزيرة والعربية) عمت، بسرعة الحريق، معظم الوطن العربي، نتيجة سخط سنوات القمع، والحرمان، والفساد، والتنكيل، والترهيب ، والتخويف، والوقاحة المستبدة. لكن من وراءها؟ سؤال يطرح أكثر من علامة استفهام.. ومن الوهم أن ينجرف شعب لا يمتلك مصيره، ويفتقد روح الانتماء، وبات عبئا على الوطن، إلى تحقيق التغيير والإصلاح وبناء مجتمع ديمقراطي محترم وكريم. ومن النفاق القول أننا سنحقق ثورة النهوض المتحضر والمسؤول، رئاسيا ووزاريا وشعبيا، إن لم تؤمن الشعوب بإرادتها في الإدراك الواعي لحقوقها وواجباتها، وتمتلك الجرأة في التحليل واتخاذ المواقف في قضاياها، ما لله لله وما للأرض للأرض، فالشعوب هي التي تغير، وتصلح، وتصنع التاريخ وليس الرؤساء، إنها قضيتنا الكبرى، التي أصر عليها الشيخ محمد الغزالي في قولته  »مازلت أؤكد أن العـمل الصعب هو تغيير الشعوب، أما تغيير الحكومات فإنه يقع تلقائياً عندما تريد الشعوب ذلك.. ».  فمتى نجعل من إنسانيتنا قضية؟ 
والحكاية الموالية..
                                               محمد رياضي
                                                              الدار البيضاء: ماي 2012


Wednesday, May 16, 2012

الحكاية الأولى: المسؤولية واحترام الذات !!

                 متى نجعل من إنسانيتنا قضية؟
                 العربي أنا وحكايات الإنسان الآخر!
                
الحكاية الأولى:                                                                المسؤولية واحترام الذات !!
                           

إهداء: إلى العربي الإنسان المؤمن ب: " كن عزيزًا، وإياك أن تنحني، مهما كان الأمر ضروريًا، فـربما لا تأتيك الفرصة كي       
." !ترفع رأسك مرةً أخر 
      منذ أن اقتحمت فكري بعض العلوم الإنسانية، وأدركت قراءة ما بين السطور، وتملكتني قوة الحدس والتخمين وافتراض التوقعات، وانتمائي العربي يوترني إلى درجة المقت المثير للغثيان، ليس لأني أعيش اضطرابا نفسيا للرافض لهويته، أو أعاني عقدة الدونية أمام الآخر، أو.. أو.. وإنما لما يتمرغ فيه العرق العربي، بمختلف دياناته ومعتقداته، من وضع بئيس، حقير،  ومقرف، من الرئيس إلى الرضيع، أمام ديمقراطية وإنسانية الآخر.

     سأحكي لكم حكايات بالاختصار الموقوت باليأس والإحباط، وجليد الصمت المحرق، ربما تهتدون، عبر مقاربة تأملية لما تعرضه تلك الحكايات من ظواهر حياتية ومواقف إنسانية، إلى ما أعاني منه، لكن أنا واثق، بأن أي عربي، إنسان الفكر المتخلف، مهما كانت ديانته وقناعاته، لن يختلف عني في القهر النفسي الذي يؤرقني كمخلوق عربي محاصر في حضيض زبالة الإنسانية التي نحيا فيها.

    حكاياتي، يا ناس، لم آت بها من غابر الأزمان، وإنما من صلب الزمن المعاصر، لا يهم الخصوصيات والجزئيات الدقيقة لحقيقة الواقعة المحكية، أكثر ما تهم العبرة  في شمولية الحكاية.


  المسؤولية واحترام الذات !!
        يحكى، سيداتي سادتي، في الزمن الحديث، أن رئيس دولة أوروبية قام بزيارة لدولة عربية عظيمة بذهبها الأسود، ومن شيم العرب إكرام الضيف، وعند انتهاء زيارة سيادة الرئيس قدم له قائد تلك الدولة العربية هدية رمزية ثمينة، تتشخص في حصان عربي أصيل، وأنتم أدرى بقيمة ومكانة الحصان العربي. وتقديم الهدية عند انتهاء الزيارة من تقاليد ونبل الكرم الإنساني، فرح الضيف، الرئيس الأوروبي، بالهدية، وأخذها معه إلى بلده.

       لحد الآن ليس هناك ما يثير الاستغراب في ما حكيته، لكن العبرة في الآتي من الحكاية.

       عند عودته إلى وطنه، وجد السيد الرئيس نفسه أمام مشكلة عويصة، فهو يسكن شقة وليس قصرا، وعليه إيجاد مكان خاص للهدية الأصيلة بعرقها،  فتقدم سيادة الرئيس بنفسه إلى الفندق الخاص بالأحصنة، ليستفسر في أمر استضافة حصانه العربي. استقبله موظف الإسطبل كأي مواطن عادي، يعلم جيدا أنه السيد رئيس الدولة، وتعامل معه بشكل رسمي دون مجاملات أو خوف ورهبة، أو طمع امتيازي، وأملى على الزبون، السيد رئيس الدولة، شروط وواجب الأداء لاستضافة حصانه، من مأكل، ومشرب، وعناية، وتطبيب، وراحة المقام.. تحمل الزبون المسكين، سيادة الرئيس، عبء المصاريف المباغتة، ومن رقي أخلاق سيادة الرئيس الأوروبي، بعث برسالة إعجاب وشكر وامتنان إلى قائد الدولة العربية على هديته الغالية، استلطف القائد العربي الرسالة، وارتاح لإعجاب السيد الرئيس الأوروبي بالهدية، فبعث له بهدية أخرى مماثلة، تعبيرا عن صدق المودة التي تربطهما، ولكم أن تتصوروا الورطة التي وقع فيها، مرة أخرى، سيادة الرئيس الأوروبي.

        السؤال المطروح ليس لماذا الهدية؟ هذا من نبل وكرم الضيافة العربية، وبرتوكولات العلاقات الإنسانية، والعربية لها طابع خاص، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لو أن قائدا عربيا، ملكا أو رئيسا، توصل بنفس الهدية هل كان سيسلك نفس سلوك هذا الرئيس المتواضع؟ وهل كان سيتصرف الموظف العربي سلوك الموظف الأوروبي المسؤول المتحضر؟

       أكيد تتخيلون الإجابة !
       وحتى إن تواضع القائد العربي، ملكا أو رئيسا، وقام، من حين لآخر، بنفس سلوك الرئيس الأوروبي لن يتركوه وحاله، ليس وفاء وحبا، بل طمعا في سلب صدقة أو نهب امتياز لا يستحقه المتطفل.
     أرجوكم، أبعدوا التبريرات الانهزامية، من قبيل العفوية وغياب الوعي والحاجة، وقد صدق عمر المختار، روح ليبيا اليوم، بنصيحته التاريخية، التي يمتزج فيها احترام الإنسان لنفسه بروح الوطنية، عندما قال:

" كن عزيزًا، وإياك أن تنحني، مهما كان الأمر ضروريًا، فـربما لا تأتيك الفرصة كي ترفع رأسك مرةً أخر."

      فسلوكياتنا يحكمها الفكر المتخلف، فكر الاستلاب وقوى السيطرة والخضوع، وغالبيتنا يؤمنون بشكليات التباهي، ومظاهر الاستهلاك، وألتمسكن، والاتكالية، والتماهي بالمتسلط، والعيش على حساب الغير، وتأسرهم السببية الغيبية في تحديد القيم والمواقف الحياتية، لا لشيء إلا لتنمية الفكر الانتهازي، والحفاظ على الامتياز المرهون بالمحسوبية الجشعة، والتبعية العمياء، والهزيمة الحقيرة، والفساد المستبد، فبات البني آدم العربي، رجلا أو امرأة، يستحلي التباكي، والشفقة، والإحساس بالضعف، وانعدمت فيه القيمة الإنسانية، لا يعير اهتماما لكيف يعيش، المهم أن يحيا، حتى وان كان قواد نفسه أو لنصفه الثاني، مع أسفي الشديد للتعبير، تراه يلف شاربه، وينفخ بطنه، ويزمجر، ويملي الأوامر لتنفيذها بدون مناقشة، معتقدا نفسه إنسانا ولا كل إنسان، وشتان ما بين مخلوق بشري وإنسان، كان قائدا، أو مسؤولا، أو مواطنا.. فمتى نجعل من إنسانيتنا قضية؟. 
ولكم الحكاية الموالية..
                                                                                                              محمد رياضي
الدار البيضاء: أبريل 2012

Friday, March 2, 2012

Flowers of fire! !أزهار النار

إهداء: تحية إلى شهرزاد، الأنثى الرمز.
تحية إلى نساء، من أجل إثبات جدارتهن والحق الإنساني، تحملن مرارة الاضطهاد، المنفى، والسجن، وعنف الاغتيال، شهيدات رفضن ذل الإلغاء، فسكنتهن رغبة لقاء الرب من أجل الذات، والحق، والوطن، والإنسان: الشهيدة سمية بنت الخياط، شادية أبو غزالة، سعيدة المنبهي، سناء محيدلي، دلال المغربي..
       تحية إلى مناضلات تحملن ما لا يتحمله الخيال، لكن إرادتهن قهرت بطش السجان المختل، وغيض الذكورة المخصية، فمقتوا بطولة أنثى الإنسان: المناضلة جميلة بوحيدر، نوال السعداوي، ليلى خالد، فاطنة البيه.. 
       تحية إلى كل أنثى تحترم أنوثتها، وتتشبث بإنسانية الإنسان، إلى الأم، الأخت، الزوجة، الابنة، الصديقة، العشيقة، الحبيبة، الإنسانة.. تحياتي! 


نص:
أزهار النار! 

             في لحظة قلق ونفور، هاربة من الاستسلام العاجز، هاجت عصبيتها الجامحة، فاندلعت شرارة حمم كامنة في الأعماق؛ رمقته أمل بكره شديد ونفور حاد، وولت باكية دون قلب، تخفي وجهها الحزين براحتي يديها الناعمتين، لا تريد أن يلمح أحد عينيها تذرفان دمعات دافئة،حارقة، متمردة..  منذ الصغر، ترعرعت على الخوف، الحياء والخجل، والتباهي بضفيرتها، والخضوع للصمت الطاغي، حتى جعلوه قدرها، ومارسوا عليها حيف الوصاية، فتعودت الاختلاء، لحظة ضعفها، حزنها، حيرتها، والتلهي بأحاسيسها، وتطلعاتها، وأحلامها..

        بعيدا عن مضايقة عيون المكر، والنفوس الخبيثة، في ردهة الشرود الذهني، العزل الانفرادي البارد، الذي تربت على ممارسته على نفسها، يأتي الزمن الضائع، يتوهج وجه أمل، ويستفيق العصيان في دمها، يكسر الأغلال، ويطلق سراح الآهات المخبوءة، والأحلام المحبطة، والتطلعات المغتصبة. وفي صمت المشاعر تنفجر في أعماقها صيحات يعلوها القهر، تصدع شروخا في  السكون الشاحب الذي يأسر إرادتها، فتفيض عيناها سيلا من الدموع الحارقة، ويجتاحها هذيان هستيري، لا يتجاوز كيانها الداخلي..

       بعد لحظات تعود أمل لسكينتها وفظاظة الضجر الممل، وينتابها ضمور وارتخاء شديد، كأنها تخلصت من هم ثقيل،  فركبتها رعشة عنيفة، نفضت جسمها، كحيوان مذبوح يرفض الموت، كررت الانتفاضة بنفور عصبي، مرة ومرات، كأنها تصر على موقف حاسم، أو التخلص من شيء يتعب روحها.. فجأة همدت رعشتها، وركزت عينيها، المغرورقتين بالدموع، في فراغ فضاء عزلتها، وأمعنت النظر مليا، عبر دمعات ضبابية، دمعة، دمعة.. طال التمعن، ونسيت نفسها، إلى أن ابتلعتها نقطة سوداء، وانسلخت عن المكان؛ لفها السواد، وسحبها إلى غيهب الظلام المخيف. ولأنها تؤمن بعناد الشهداء في انتزاع الحق وحرية الأوطان، بنشوة عز العناد حضنت أمل ذاتها المقهورة، واعترى هدوءها المرتجف عاصفة هوجاء، وتسارعت نبضات قلبها، كسحت موضعها المحاصر، فبات قلبا يصارع من أجل البقاء، دقات مرعبة، هزت كيان أمل المرهف، وتدافعت أنفاسها المحمومة الخانقة، ضاق صدرها، وصعب عليها  الاستنشاق بشكل عادي.. ثوان وعادت أمل إلى هدوئها، استجمعت نفسا طويلا، وتغلبت على ضعفها، وبأمل مارد أخذت تعيد نسج أحلام الأنثى المهضومة، وأدوها عند ولادتها، وذنبها رفضت الولاء المزدوج، وتشبثت بحق الوجود الإنساني، فحملوها وزر الشهوانية والشيطنة، وكفروها، وجرموها.. 

 

       في غليانها المحاصر، تجاسرت وقفزت إلى وجه أمل تساؤلات محظورة، فارتجفت عيناها بتخيلات صعبة، أثارت دهشة الخرافة العمياء الطاغية، فاستبد بها الأرق؛ مخلوق ممسوخ الوجه، حالك اللون، مفتول العضلات، أشعت الشعر، ذو شارب أشيب ممتلئ، ولحية شهباء متسخة.. رُعب منظره أعاد أمل إلى واقع لحظتها، لكنها تماسكت، وتعنتت، وعندما أبان عن أنيابه الحادة، تراءت حولها أنياب معقوفة، تتمايل في تخيلات أشكال مرعبة، أفقدتها التحكم  في خوفها، فخانتها إرادتها، وفرت دون اتجاه، هاربة من ذاتها، من ذاكرتها، من ضعفها، من حيرتها، من نفسها.. ولم ترحمها الأنياب الهوجاء، تكالبت حولها، تناسلت، وتكاثرت، واشتد تسلطها، ولاحقتها في كل مكان، لم تترك لها فرصة استرجاع أنفاسها خارج قلعة الظلام، فاحتواها رعب شديد، كأنها استيقظت للتو من كابوس مرعب، كادت أن تخنقها أنفاسها المتلاحقة.. لحظتها، أدركت أمل أنها تقف عند خط النار، لم تعهد نفسها تمردت مرة كما فعلت حينها في معتقلها الاعتيادي، تملكها إحساس غريب على أنها إنسان آخر، شخصية أخرى، أنثى أخرى، شهرزاد تمتلك قوة الصمت الشقي، والوعي الحقاني، وجرأة القتال الخارق. تغلغل التحدي في دمها، أخذت نفسا عميقا، وبعد استعادة هدوئها الطبيعي، جالت نظراتها في صمت الاغتراب النفسي، ظلت جامدة، وسط ذهول مضطرب، لم تنبس ببنت شفة، وفي هدوء حذر دارت، مرة أخرى، نظراتها في فضاء أسرها، خوفا من أن تترصد آذان خائنة همساتها الممنوعة، وآهاتها المرفوضة، ورغباتها المضطهدة، وظلت عيناها ترتعشان في سكون مضطرب اكتسح وجودها.. 


       وهي على تلك الحرقة النفسية، في سكون بارد محفوف بالأوهام الشاقة، فجأة تعلق في فراغ العزل طيف وجه سيدة وقور، استأنست له أمل،  ابتسم لها الوجه، لاطفها بلغة الملامح، وداعبها بنظرات فاحصة، تستفسر في ما يقض مضجعها، وبنفور تلقائي، ثارت أمل في الوجه الطيفي:

 -" من نصبه قاهرا لإنسانيتي؟ من أعطاه حق امتلاكي بعدوانية الرقيق؟ ولماذا يشتهيني ويستلذ تعذيبي؟ لماذا يستحل قهر إرادتي، وتحطيمي، والغائي؟  لماذا؟.. يا الهي لماذا ؟"
بفتور أجابها الوجه الطيفي:
-"مآل أية آمال آمنت بنصف حقيقة، فاستسهلت مهمة اصطيادها!"
باستهزاء تستغرب أمل:
-"أي فكر معقد هذا!.."

        اشتد غضب المخلوق المستبد، الذي يتربص أحلامها، فصفعها بعداء مقيت، عندها تبخر الوجه الطيفي، وابتلعه الفراغ، وعادت أمل إلى لحضتها الآنية، لم تتمالك نفسها، فاحتوتها قوة خارقة، وكالهبلاء انقضت على الفراغ  الكئيب، واحتد عنادها، وازدحمت التخيلات في ذهنها، وطارت بها خارج خناق الصدر، انبسطت ملامحها المنقبضة، كأنها وجدت ما يبسطها، واتخذت لها أسماء مستعارة، ووجوها غير وجهها، وتخلصت من جواز سفرها، وسافرت بأحلامها الممنوعة، خارج حدود الاضطهاد والاستغلال الذليل، في عالم افتراضي ساحر، يقتحم واقع مجتمعها البئيس المحتجز؛ عالم لا يعترف بالحدود وفكر المنع، تعيش ذاتها، وتمارس أنوثتها وحقها الإنساني، تحتج على قهر الإرادة، والتحطيم، والامتلاك، وتلاحق تطلعاتها الهاربة من قسوة ظلم واقع عدواني، يسترجل خلف صمت الموقف الإنساني الذي تلتزم به، والأدهى والأعنف أن تتحامل على نفسها، تعنفها، تلومها، وتحاسبها على استفساراتها، حقوقها وآهاتها الإنسانية، وتتواطأ مع اللغط البليد لإرغامها على قناعة الخضوع، عندها يتملك أمل نفور عصيب، فيتراءى لها الوجه الطيفي من جديد، ويبادرها بالكلام:

 -"ألم أقل لك أنها استسهلت مهمة اصطيادها!"
يتأملها قليلا، ثم يواصل كلامه:
 -"أنت من طبعه على ذلك، فكلما بدت لك جمرة الغيرة في نظراته تنتابك نشوة عابرة، فتتوهمين أشياء لا وجود لها، وتتحاملين على نفسك، وتعيشين الاستسلام! "
      بيأس تعقب أمل:
- " يا له من ضمير مظلم، يشتهي أنوثتي، ويستلذ هدر وجودي الإنساني..!"
لاحت ابتسامة باردة  على الوجه الطيفي، وتلاشى وسط الصمت  الرهيب الذي يأسر المكان..

        بعد يوم شاق، عاندت خلاله التثاؤب المرهق، عادت أمل، في المساء، متعبة إلى بيتها، تلتمس وسادة وغطاء، ولم يستطع الأرق الطاغية أن يمارس طقوسه عليها، فقد اختطفها النوم العميق، وفي لجج الظلام زارها غريمها، النصف الآخر، فقذفته بكلام لم يعهده منها:

   - "لقد عشقت فيك ذاتي!، قاسمتك التفاحة، وجردتني من ثيابي.. وألغيت إنسانيتي، من الذي منحك حق استعبادي؟"
أجابها كمن يريد أن يراضي طفلا مدللا:
    - سأكون ما تشائين يا حبيبتي!!
مع ومضة راحة نفسية عابرة صدت احتياله العاطفي:
-       "لا أثق بك، ولدي أسبابي!"

         عندها، سحب الليل عباءته، وانتزعها من حلمها، واستفاقت، وانقبض صدرها حزنا على الحلم الذي لم يكتمل.
استيقظت باكرا، حيرانة في أمر مهاتفته، وسماع نبراته، فعاودها صوت السيدة الوقور، التي تعودها في شرودها الذهني، يحفزها على الاتصال به، قبل أن تمتلكه دمية تهوى المغامرة، أو بائعة الهوى، ويزحف عليها تسحر الزمن، وتندم على عمرها المغتصب.. اشتدت حيرة أمل، وترددت في مكالمته، أكيد سيرد عليها، عندما يلمح رقمها على شاشة هاتفه المحمول، وربما سيكابر، ويلغي إحساسه، ويمتنع عن الرد؛ لم تستقر على حال، روحها تشتهي، وعقلها يحلل، والواقع يضغط بعدوانية وقحة..

           بعد تركيب رقمه، خرقت أذنيها رنات جرس الباب، مصحوبة بدقات صاخبة متتالية، تناديها لفتح الباب، فتساءلت أمل باندهاش عمن يكون الطارق في صباحية يوم عطلة، فراحت لتتبين من يلح على رؤيتها، عندما انفغرت دفة الباب أصابها الذهول، ولم تقو على فعل شيء، وجدت نفسها أمام باقة ورود زاهية، يفوح منها عطر مشاعر ملونة..  التقت عيناها بعينيه، وتبادلا نظرات تسبر بِصمتها غور كل منهما.. اقتربت منه، دنا منها، ودون وعي منها راحت يدها اليمنى لتستلم باقة الورود المقدمة لها، فتلامست أناملهما، بل تعمدا الملامسة، وتبدد القلق، واشتد الارتباك، ومن وراء ظهره لاح لها وجه السيدة الوقور، فرمتها أمل بنظرة شاردة، وعلى غفلة منه، لغت رقمه بإبهام يدها اليسرى، ودست هاتفها النقال في جيب منامتها، وذابت المسافة بين الوجهين، وتجاذبت الشفاه، والعيون شبه مغمضة، وبثقة هادئة سحبت أمل شفتيها المبتلتين بندى سحر سعادة عابرة، وقذفته بنظرة عميقة، لمست أحاسيسه، فانحنى ليقبلها، بغنج تمنعت، وبكبرياء مالت برأسها إلى الوراء، فاستلطفها بلمسات تداعب خصلات شعرها الأسود الناعم، متدلية على جبين وجه تستحوذ عليه الصرامة وبرودة الإحساس..

         تحمل جفاءها، ومارست عليه أنوثتها، اجتاحته جاذبية عينيها، وسحرته ملامح وجهها، وسرح هائما في مفاتن  جسدها؛ طال التأمل والسرحان الحالم، ولفهما صمت دافئ، أوقظ نزوات نائمة يصعب السيطرة عليها، وانكمشت العيون، تأبى التورط في مغامرة تجهل عقباها، وأطبقت الشفاه على بعضها البعض، تمتص رحيق عاطفة ملتهبة، قبل أن يستعيد الوجه الآخر، لكل منهما، وعيه، ويكشر عن أنيابه.. لحظة، تخلت عنها مشاعرها، وبهدوء تسحب أمل شفتيها، دون أن تبعد عينيها عن عينيه، ظلت صامتة دون حراك، خالية من الإحساس، وغائبة عن المكان.

      بعد حين، أدركت أمل أنها لوحدها في العزل الانفرادي، كانت، كل الوقت، الذي قضته داخله، تكلم وجهها الآخر على قطعة مرايا منسية على حائط غرفة أحلامها المحظورة، قطعة مشقوقة، صدئة وفاسدة ببقع سوداء بيضاء، تشوه وجه الناظر إليها. بملامح حزينة مبتسمة تفحصت طويلا وجهها المشوه، واستجمعت نفسا عميقا، واسترخت لثوان، كأنها تتأهب لنسف انتقامي أو لتنفيذ قرار مصيري، عندها، تركت الوجه المشوه على قطعة المرآة الصدئة، وبعصبية حادة ثارت على نفسها، وأحرقت الخوف، وغادرت الردهة الضيقة، وأعلنت عصيانها، واشتد صراخها؛ قَصفت، وعَصفت، وفَجرت غضبها في العقول البليدة، فاُضطهدت، واُعتقلت، وعُذبت، واغتيلت أكثر من مرة، وفي كل مرة تنبعث كأزهار النار، ويستمر عناد الشهادة في هدم جدار الصمت، وإحراق عرش خرافة المستحيل..
                                                                    محمد رياضي
                                                                    البيضاء، مارس 2012                                                                              

Thursday, January 26, 2012

!التعليم العمومي: واقع وآفاق

إهداء: تحية إلى المدرسة العمومية، وصرخة لرد الاعتبار.. تحياتي !
قضايا ومواقف:
حوار1  
التعليم العمومي: واقع وآفاق
  "لا يمكن على الإطلاق أن نشكك في المدرسة العمومية، ولكن يجب أن نفكر في السبل والطرق التي تعيد للمدرسة العمومية اعتبارها.."

الأستاذ المحجوب أروبيت، من مواليد 1959، أستاذ السلك الثاني، أو التعليم الثانوي ألتأهيلي، أستاذ لمادة اللغة العربية بثانوية الحسن الثاني نيابة بنمسيك، حائز على شهادة الإجازة في الآداب والعلوم الإنسانية، أستاذ باحث في مجال التربية، ومهتم بقضايا المدرسة العمومية، وفاعل جمعوي..
قضى الأستاذ المحجوب أروبيت أكثر من عشرين سنة في قطاع التعليم،  يعتبرها الأستاذ أروبيت تجربة متواضعة، لكن قصر المدة التي قضاها في قطاع التعليم، لا تقاس بالكم الهائل الذي استفاده من التجربة، وكذلك لا تقاس بالحماس، ولا تقاس بالشعور بالمسؤولية،  والحس الذي جعله يختار مهنة التعليم، ليس عبثا، وإنما مساهمة بوعيه، وبوطنيته في تنشئة المجتمع وأبنائه، وفي إنجاح المسار التعليمي لهذا الوطن .
من خلال الحوار التالي، سيكشف الأستاذ المحجوب أروبيت عن هموم واقع المدرسة العمومية، ومتمنياته أن تظل مبادرات الإصلاح دائمة من أجل هذا الوطن.
  
س) كيف أتت فكرة التدريس قبل 21 سنة ؟
ج) بطبيعة الحال اختيار مهنة التدريس هو إحساس، وشعور، ووعي بمسؤولية تاريخية وتربوية واجتماعية، ولم يكن اختيارا مصادَفا، بحكم ما يجب أن يتوفر في رجل التعليم من قيم أخلاقية، ومن شعور بالمسؤولية التاريخية؛ وبطبيعة الحال إن رجل التعليم لا يشتغل لنفسه، وإنما يسعى إلى تهيئ جيل بأكمله، يتحمل مسؤوليته، ويتمكن من الانخراط في المجتمع انخراطا ايجابيا، ليكون مواطنا صالحا..

س) بعد 21 سنة من التجربة مع الباكالوريا، هل يمكن أن تقربنا من تلميذ الأمس وتلميذ اليوم؟
ج) إن الحديث عن تلميذ الأمس يرتبط بالظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية التي كانت تجعل من المدرسة العمومية حقلا للتكوين، وحقلا للثقافة، وبطبيعة الحال أيضا إن تلميذ الأمس كان يشعر على  أن المدرسة العمومية كانت بابا واسعا لكي ينخرط في المجتمع، وأن يؤسس لنفسه حياة تُخول له أن يكون مواطنا صالحا.. وقد ساهمت مجموعة من الظروف التاريخية في تكوينه أيضا، وفي جعله تلميذا يبحث، ويثقف نفسه، ويساير مقرراته، وله هدف واحد، هو أن يكون ايجابيا، وأن يتمكن من تحقيق ما يحلم به من خلال مشروعه الدراسي، سواء في تعليمه الثانوي أو في المرحلة الجامعية أو الدراسات العليا.. وكانت المدرسة العمومية حققت، في الكثير من المناسبات، هذه الطموحات، وكان جيل بأكمله حينما يأخذ شهادته يجد عملا؛ أما تلميذ اليوم، بطبيعة الحال، الظروف تغيرت، وسوق الشغل وحاجياته  أيضا تغيرت، وأن التحولات التي عرفتها وسائل التعليم والتثقيف، وسائل الإعلام والتكنولوجيات المعاصرة، إضافة إلى الظروف الاجتماعية والسياسية، جعلت تلميذ اليوم يُحس بنوع من الإحباط، ويحس أيضا بنوع من اليأس، إضافة إلى عوامل أخرى ترتبط بالوضعية العامة للمؤسسة التعليمية اليوم، وهذا موضوع آخر..

س) هذا عن التلميذ، ماذا عن الأستاذ؟
ج) أستاذ الأمس، كما قلت سابقا، إن اختيار مهنة التعليم بصفة عامة كانت ترتبط بشعور داخلي، بمعنى لا يمكن أن يقتحم مجال التعليم كل من لم يجد شغلا، ولكن اليوم، بطبيعة الحال نحن لا ننقص من رجال التعليم، و لكن هناك مجموعة من الأساتذة الذين ـ ربما ـ دخلوا إلى هذا الميدان بحثا عن  الشغل أكثر مما يحسون بما يفرضه عليهم الواجب لا الوطني، ولا التربوي، ولا الاجتماعي، ولا التاريخي أيضا؛ وهذا يجعلنا نحس بأن هناك، كما عبر كثير من أساتذتنا، منهم من رحمه الله، ومنهم لازال على قيد الحياة:"هناك فئتين ، هناك رجل التعليم، وهناك موظف في قطاع التعليم".

س) هناك من يقول أن العقلية وذهنية التلميذ اليوم قد تغيرت عن تلميذ الأمس، كيف ترى ذلك؟
ج) عقلية التلميذ لابد أن تتغير، إذا لم تتغير عقلية التلميذ معنى ذلك أن الواقع لا يتغير، في فترة سابقة كان التلميذ يرتبط بمقرره، بأستاذه، بمؤسسته، اليوم ـ ربما نقول ـ إن التلميذ أحيانا يتجاوز أستاذه، ويتجاوز مقرراته، بحكم الوسائل الحديثة التي أصبحت تسير بشكل مواز للمدرسة العمومية، بل أحيانا التلميذ يحس أنه ـ ربما ـ قد يلتقط المعلومة من وسائل مختلفة بشكل أكثر دقة وأكثر سرعة مما ينتظره من القسم، أو من الأستاذ. ولذلك لابد للعقلية أن تتغير، ولكن ما نطمح إليه هو أن يكون هذا التغيير إيجابيا، وأن يعيد للتلميذ مواصفاته، بطبيعة الحال، لأن كثير من تلاميذ اليوم، بحكم الظروف التي تحدثنا عنها سابقا، فقدوا كثيرا من القيم والمواصفات التي تجعلهم يتحفزون إلى ما يدرسونه، و يفكرون في بناء مستقبلهم، لأسباب متعدد لا يمكن أن نعزلها عن الواقع الاجتماعي، عن آفاق الشغل، عن كثير من الأوضاع التي يمكن أن نعتبرها، بنسب متفاوتة، عامل من العوامل التي تجعل كثير من العقليات يائسة، كثير من العقليات من الصعب أن تعيد لها الثقة في المؤسسة التعليمية، في المقررات، في كثير من الأشياء..

س) 21سنة من التدريس، تجربة مهنية مهمة في التلقين و التوجيه، وربط التواصل بين الأستاذ وتلامذته، هل يمكن أن تسمح لنا أن نقتحم عالم علاقة الأستاذ بتلامذته وتلميذاته؟
ج) بطبيعة الحال أحيانا نحس في علاقتنا بتلامذتنا أن ما نقضيه من وقت معهم  ربما  أكثر مما نقضيه في بيوتنا أحيانا، وكذلك بالنسبة للتلميذ يحس، إذا كان الأستاذ إيجابيا في علاقته مع تلامذته؛ لابد أن يشعر التلميذ بنفس الشعور، ولذلك من الضروري ومن الواجب أن لا يقتصر الأستاذ على التلقين، لأن إذا اقتصر الأستاذ على التلقين ربما قد يتحول إلى "روبو"، وأحيانا يمكن أن يتجاوزه تلميذه ليبحث عن المعرفة في وسائل أخرى، ولكن دور الأستاذ ضروري، وأهمية الأستاذ في المعرفة، وفي التلقين، وفي التوجيه أيضا ضروري؛ ولذلك فعلى الأستاذ أيضا أن يخرج من تلك الصورة التقليدية التي تعودنا عليها في ظروف سابقة. اليوم الثقافة والمعرفة، ووسائل المعرفة وسائل الثقافة، وقنوات الاتصال تطورت، وانفتحت المؤسسة، وانفتح الأستاذ أيضا، باعتبار دوره  يشكل عنصرا أساسيا في العملية التعليمية إلى جانب التلميذ، انفتح كل ما له صلة بمجال التربية والتكوين والمعرفة والثقافة، انفتحوا على أفاق جديدة من التعلم، ووسائل جديدة من التلقين، ولذلك فالأستاذ يجب أن ينفتح على تلامذته، وهذا الانفتاح يرتبط بتقنيات التواصل، والاستماع إلى تلامذته بخلق أوراش موازية، ما نسميها عادة بالأنشطة الموازية، التي تجعل التلميذ يحب مدرسته، ويحب محيطه المدرسي، ويحب أستاذه، ويكون شغوفا بمدرسته وبأستاذه؛ وهذا لا يمكنه أن يتحقق إلا إذا حاولنا أن نغير من حياتنا المدرسية، لأن الأستاذ ـ بطبيعة الحال ـ لا يمكنه أن يضحي بحصصه لكي يستمع إلى تلميذه، لكن يمكن أن يحقق ذلك من خلال خلايا، أو من خلال أوراش، أو من خلال أنشطة موازية، أو ما يسمى الآن بخلايا الإنصات، وهذه الخلايا تجعل التلميذ يبوح أحيانا لأستاذه ببعض المشاكل التي يعاني منها، ولذلك أرى ـ بحسب اعتقادي ـ أن المدرسة الناجحة في حياتنا المعاصرة لابد أن تنفتح على شرَكات، ومن بين هذه الشركات يمكن أن نتحدث عن شراكة مع علماء في مجال الطب النفسي، أو ما يسمى بعلم النفس التربوي، يمكن أن ننفتح أيضا على  باحثين سوسيولوجيين، ويمكن أن نشتغل على شكل بحوث، وعلى شكل أوراش، تساعدنا على تتبع بعض الأوضاع الاجتماعية، وبعض الحالات النفسية التي يمكن أن تؤثر على سير التلميذ الدراسي، ويمكن من خلالها أن نفتح قنوات التواصل من أجل إعادة إدماج كثير من التلاميذ الذين يعانون من التعثر الدراسي، أو يعانون من بعض الحالات النفسية؛ وهذا لتفادي ،كما ربما قد تتبعون من خلال وسائل الإعلام لا السمعية أو البصرية، بعض الظواهر الشاذة التي بدأت تعرفها المدرسة العمومية، كظاهرة العنف؛ وظاهرة العنف لا يمكن أن نستثنيها من الظواهر التي يعرفها المجتمع بصفة عامة، ولكن المدرسة خلقت لإعادة  إدماج الناشئة الاجتماعية؛ و لإعادة  إدماج الناشئة الاجتماعية يجب أن تتحرر المؤسسة التعليمية من بعض القيم التقليدية، يجب أن تنفتح على المحيط المدرسي، يجب أن تنفتح على الشرَكات، يجب أن تنفتح على الجمعيات، يجب أن تنفتح على كل ما يساهم في إعادة الاعتبار للتلميذ أولا، وإعادة إدماجه في الحقل الدراسي، وفي الحياة المدرسية، وأن تنفتح أيضا على كل ما  يمكن أن نحس في دواخلنا أنه سيساهم، بشكل أو بآخر ، في إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية..

س) في انتظار الانفتاح، كيف يمكن تحقيق حلم تحسين الأداء المهني و تلميع صورة المدرسة العمومية؟
ج) هذا مشروع تفكر فيه الوزارة بإلحاح، من خلال مجموعة من الدراسات والبحوث التربوية التي انكبت عليها خلايا من أجل تحسين الأداء المهني في المؤسسة العمومية، ويمكن أن أشير في هذا الإطار إلى مشروع "جيني"، مشروع إيجابي، وإن لم تُوفر له الوزارة الشروط الضرورية، والسبل، و الإطار المرجعي بشكل  دقيق من أجل إنجاحه، بالإضافة إلى ذلك فمشروع "جيني"، الذي يرتبط  بما أسميناه بتحسين الأداء المهني، بدأ ربما خمس أو ست سنوات، ولكن الشعور بإلحاحه لم نحس به كفاعلين مباشرين في العملية التربوية، وخاصة في مجال التدريس، لم نشعر به إلا في مرحلة متأخرة، ونحن نحس، كما قلت سابقا، أن هذا المشروع، هو مشروع له طموح، وسيساهم في تحسين الأداء المهني، وفي تلميع صورة المدرسة العمومية، وفي تحسين وسائل التدريس، ووسائل العمل، وتدقيق المعلومة، وجعل المدرسة العمومية مدرسة ناجحة  وحديثة، ولكن ،كما قلت سابقا، إن أي مشروع لابد و أن تهيئ له الظروف المناسبة، وأن تهيئ له البنيات التحتية، ونحن نعلم اليوم إذا كان مشروع نافذة، قد سمح أن يقتني كل أستاذ حاسوب متنقل، سيساهم في تحسين أدائه، وفي تدقيق المعلومة، والبحث إلى غير ذلك، ولكن إذا عدنا إلى البنية التحتية للمؤسسات العمومية، نجد أن هناك صعوبة في استعمال هذه الوسائل الحديثة، بالإضافة إلى ذلك كثير من المؤسسات تفتقر إلى الكهرباء، كثير من المؤسسات تفتقر إلى وسائل تساهم في الدفع  بهذا المشروع إلى ما نحلم به جميعا، وتحلم  به المدرسة المغربية، والمدرسة العمومية، وما نسعى إليه بجهودنا المتواضعة لخلق مدرسة ناجحة، مواطنة، تساهم وتساير التحولات التي عرفتها مجالات المعرفة، والتواصل، والتكوين، وغير ذلك..

س) السنوات التي قضيتها في التعليم، عرف القطاع ميثاق التربية والتكوين ثم المخطط الأستعجالي، هل تحقق شيء، أم واجهته عراقيل؟..
ج) مجرد الحديث عن الإصلاح هذا شيء إيجابي، بالمقارنة مع مراحل سابقة، ولكن كما قلت سابقا، إن ميثاق التربية والتكوين جاء بمجموعة من التصورات، ومن سيناريوهات التي تبدو إيجابية، وتسعى إلى خلق مدرسة جديدة، حديثة، مواطنة، ولكن، كما ربما  تتبعتم، على أن مشروع الميثاق لم يتحقق في جل بنوده، أو سيناريوهاته، ولذلك تلاحظون أن ما جاء بعد الميثاق، أو عشرية الميثاق، هو المخطط ألاستعجالي، وبطبيعة الحال إذا ربطنا بين المخطط ألاستعجالي وميثاق التربية والتكوين، هنا يمكن أن نتحدث عن، لا أقول الإخفاق، وإنما أقول التعثر، لأن هناك فرق بين الإخفاق والتعثر، إن ميثاق التربية والتكوين لم يكن فاشلا، ولكن بطؤه، وعدم توفير الشروط الملائمة، وعدم مسايرة طموحات الوزارة في الإصلاح، والبنيات التحتية للمؤسسات هو الذي جعل الميثاق، ربما، يتعثر في بعض سيناريوهاته أو بعض بنوده. ولذلك جاء المخطط ألاستعجالي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولإعادة بث دم جديد في شرايين الفاعلين التربويين، ومن أجل إعادة التفكير في قضايا المؤسسة العمومية، وفي قضايا وسائل التدريس، وفي البرامج، وفي كثير من الأشياء.. وهذا شيء إيجابي، نحن نحبذه؛ والإنسان الذي لا يجدد معرفته، وثقافته، ولا يساير تحولات العصر في وسائل إعلامه، ووسائل اتصاله وتواصله، بطبيعة الحال لا يمكنه أن يخلق مدرسة حديثة قادرة على مسايرة تحولات العصر..

س) في خضم هذا الكفاح من أجل خلق مدرسة جديدة وحديثة، ورغم التعثر في تحقيق مبتغى الإصلاح بشكل عام، هل لامستم تطورا في المستوى الدراسي للتلاميذ؟ 
ج) بحكم تجربتي المتواضعة، وبحكم علاقتي بتلامذتي، وبمؤسستي، وبالبرنامج، خاصة مستوى السنة الثانية باكالوريا، أحس أن مستوى التلاميذ لم يتغير، بل العكس هو الذي حصل. في وقت سابق، كنا نحس على أن التلميذ له ارتباط وثيق بالمدرسة العمومية، وكنا نحس أيضا أن التلميذ له هاجس الدراسة، وله هاجس أن يتوفق في مساره الدراسي، وأن يحصل على نتيجة إيجابية، وأن يفرح أهله، وأن يفرح مجتمعه، وأن يعيد الاعتبار لأساتذته، الذين بذلوا جهدا كبيرا في توجيهه، وفي إعانته على تمثل دروسه، ولكن اليوم أعتقد أن اللفظ، الذي ربما قد يلاءم وضع تلميذ اليوم، أنه تلميذ شارد. لماذا ؟ لظروف متعددة، منها ما هو ذاتي، يرتبط بالتلميذ، وبتمرده، وبيأسه، وبرؤيته المأساوية والظلامية، وبفقدانه الثقة في مؤسسته، ومنه ما يرتبط بالمجتمع، وبسوق الشغل، وبالتحولات التي لم تسايرها المدرسة العمومية، إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بأساليب التقويم. والمعضلة اليوم، التي ربما أعتقد أنها تشكل موضوعا أساسيا  في الوزارة، وفي مصلحة الشؤون المرتبطة بالتقويم، هي إعادة النظر بأساليب التقويم، إضافة إلى أن تجربتي المتواضعة جعلتني أخلص إلى نتيجة على أن إذا كنا نبحث، وننظر، ونسعى إلى تحقيق ، ما نسميه اليوم بالمدرسة الناجحة، وإعادة اعتبار لهذه المؤسسة العمومية، وأن نحقق مكتسبات في مشروعنا الإصلاحي لمدرستنا الوطنية والعمومية، لابد أن نعيد النظر في كثير من الأشياء، وأن تكون لدينا جرأة، و أن نبعد قطاع التعليم عن القراءات السياسوية، لأننا نريد في يوم من الأيام  أن لا نبحث عن الأرقام، بمعنى لا أريد أن أقول أن الوزارة اليوم تهمها الأرقام أكثر من نجاح المشروع الدراسي، ولذلك أجد كثير من المداخلات الرسمية تقول لدينا في التعليم الأولي نسبة كذا، وفي التعليم الإعدادي نسبة كذا، ونسبة النجاح كذا، وارتفعت بنسبة كذا، ولكن كيف ارتفعت ؟ هذا هو السؤال الذي يمكن أن نجيب عليه  بجرأة حقيقية، وأن نتحمل مسؤوليتنا، وهنا يمكن أن أتحدث عن معضلة العتبة، عتبة النجاح، فنحن نلاحظ أن التلميذ في التعليم الأولي ينتقل إلى الإعدادي بمعدلات لا تساهم في إنجاح المدرسة العمومية، إضافة إلى السنة الأولى من التعليم الإعدادي أغلب التلاميذ الذين يلتحقون بالسنة الثانية من التعليم الإعدادي، أو الثامنة كما نسميها عادة، بمعدل 8، ثم في التاسعة أيضا بمعدل 8,5 أو 9، ثم حينما يلتحق التلميذ بالتعليم الثانوي، في مستوى الجدع المشترك، يُلحق بالسنة الأولى من الباكالوريا بمعدل 9؛ المعضلة حينما يصل التلميذ إلى مستوى الباكالوريا ، وهذه الخلاصة، تجعلني أقول على أن هناك بعض التلاميذ الذين لم يحصلوا على معدل قانوني، بمعنى 10، منذ بداية مساره الدراسي، فكيف يمكن للإصلاح أن ينجح بمفهوم تربوي حقيقي، بعيد عن الإحصائيات، وبعيد عن الدماغوجيات، وبعيد عن القراءات السياسوية. إذا أردنا بالفعل أن نخلق مدرسة ناجحة، مدرسة مواطنة، يجب أن نتحمل مسؤوليتنا، وأن لا نخادع التلميذ، التلميذ الذي عليه أن يكرر القسم، ولم يحصل عن معدل قانوني 10،  يجب أن يكر ر القسم، وهذا في صالحه، نحن إذا عدنا بالذاكرة إلى الماضي، هناك مجموعة من التلاميذ الذين كانوا يرسبون بمعدل 12، و بعدل 11، أما اليوم فهناك داخل القسم الواحد، أي فصل واحد، هناك ثلاث عينات، أو أربع عينات، أو أربع فئات،  هناك فئات نجحت، أو أُلحقت، وهذا هو المصطلح الذي أراه موضوعي ومناسب، ألحقت من الجدع المشرك  إلى السنة الأولى  بمعدل 8,5 أو 9، وألحقت  من السنة الأولى من التعليم الثانوي إلى السنة الثانية ب 9؛ ماذا ننتظر من التلميذ؟ لم يحصل على معدل قانوني ومستواه الدراسي ضعيف، ونحن نعلم  من الناحية العلمية أن المقرر في تصاعد من مستوى إلى آخر، فكيف أن التلميذ لم يساير في مستوى أدنى سيساير في مستوى أعلى؟ وأعتبر أن هذا من العوامل الأساسية التي أدت إلى تدني مستوى التلميذ، إضافة إلى تدني النسب، وخاصة في النتائج التي ننتظرها جميعا  بالنسبة لتلاميذ السنة الثانية باكالوريا. وهذا موضوع يجب أن نفكر فيه بشكل موضوعي، ويجب أن نتجاوزه بالفعل لكي نحسن من أدائنا، ومن مردود تلامذتنا، فهم أبناؤنا، ونحن حينما نتحدث عن هذا الوضع نحس، من خلال مسؤوليتنا التاريخية، أننا نفكر في ناشئتنا بكل حس وطني، و بكل حس تربوي من أجل مدرسة ناجحة.

س) رغم الظروف الصعبة وهاجس هم  الإصلاح والتطوير، كيف تتم عملية توجيه تلميذ السنة الثانية باكالوريا في اختيار الشعبة المناسبة لمؤهلاته ؟.
ج) بطبيعة الحال إن التلميذ الذي يصل إلى السنة الثانية باكالوريا قد وُجه بشكل سابق، لأن تلميذ الثانية باكالوريا  لا يحتاج إلى أستاذه أحيانا لأن يوجهه، لماذا؟ لأن التوجيه التربوي يرتبط بمصلحة قائمة الذات، لها أطرها، ولها تكوينها، ولها مشرفوها، ولها المنسقون، وهي مصلحة المستشارين التربويين، أو المستشار في التوجيه. وكثير من المستشارين في التوجيه، أحيانا، لا أقول أنهم يخلون بعملهم، ولكن ظروفهم أيضا، ووسائل عملهم، وما يوفر لهم من إمكانيات تحول أحيانا دون أن يصلوا إلى ما يرغبون فيه في عملهم. لماذا؟ لأن المستشار في التوجيه، بطبيعة الحال، يجب أن يكون له مكتب داخل المؤسسة. لماذا؟ لأن التلميذ في حاجة إلى التوجيه، ابتداء من مستوى الجدع المشترك، خاصة أن توجهات اليوم تعرف مسالك متعددة، وهناك بالنسبة للجدع المشرك هناك مسلك واحد، سواء بالنسبة للأدبيين، أو بالنسبة للشعب العلمية، هناك مسلك الآداب و العلوم الإنسانية، وهناك مسلك العلوم، ولكن حينما ينتقل التلميذ إلى السنة الأولى من التعليم الثانوي، هناك  مسالك  أخرى، وتوجهات أخرى، هناك العلوم الاقتصادية، هناك العلوم الرياضية، هناك مسلك العلوم الإنسانية، ثم في السنة الثانية، حينما يريد التلميذ أن ينتقل إلى السنة الثانية باكالوريا، هناك مسلك علوم فيزيائية، أو مسلك علوم الحياة والأرض، ومسلك بطبيعة الحال العلوم الإنسانية أو مسلك الآداب. ولذلك فهذه المسالك المتعددة أحيانا تخلق لدى التلميذ نوع من التشويش، ونحن نعلم أن أغلب التلاميذ يحسون بصعوبة الاختيار، ويوكل توجيهه إما لأستاذه، إذا كان ينظر إليه باعتباره موجها ومدرسا وأبا، وأحيانا يوكل توجيهه إلى أولياء أمره. معنى ذلك أنه قليلا ما نجد تلميذا يحس بقدرات، ويحس بميولات إلى شعبة أو مسلك معين، أي منذ التحاقه بالتعليم الثانوي ألتأهيلي يجد التلميذ مؤهلاته في مسلك علوم رياضية، أو يجدها في علوم الحياة والأرض  أو في مسلك آخر، ولكن صعوبة الاختيار ترتبط ، كما قلنا سابقا، إلى هشاشة التكوين لدى التلاميذ، وهذه الهشاشة، بطبيعة الحال، لها ارتباط بمسار دراسي بأكمله، منذ التعليم الإعدادي إلى التعليم الثانوي؛ ميولات التلميذ تظهر بشكل واضح منذ التعليم الإعدادي، إذا كان التلميذ يتوفر على كفاءات، ويتوفر على تكوين واضح المعالم، بطبيعة الحال بتأطير المستشارين في التوجيه، وبتأطير أولياء الأمر؛ وفي النهاية، حسب اعتقادي، إن التلميذ هو الذي يميل إلى مسلك من المسالك، أو إلى شعبة من الشعب، لأن قدرات التلميذ هي التي تفرض نفسها، وليس أملاءات لا أولياء الأمر، ولا الأستاذ، ولا أي طرف آخر، فإذا اختار التلميذ شعبته، واقتنع بها، يمكن أن يحقق طموحاته من خلال هذه الشعبة، وإذا كان مدفوعا إلى هذه الشعبة لإرضاء طرف من الأطرف، بطبيعة الحال، سوف يحس بنوع من التقهقر، ومن الضعف، وعدم القدرة على المسايرة، وهنا،كما نلاحظ في بداية أي موسم دراسي،  هناك عدد هائل من الطلبات التي موضوعها إعادة التوجيه. وهذا بطبيعة الحال نحسه حتى داخل الأقسام، بمعنى هناك مجموعة من التلاميذ لا يسايرون، وحينما تبحث في وضعهم، وفي أسباب تراجعهم، أو في أسباب ضعفهم الدراسي، يصرحون على أن هذا المسلك ربما أملاه عليه أحد أفراد العائلة، وأنه لا يميل إلى هذا المسلك إطلاقا.. وهذه  معضلة كبرى، يجب أن نعيد فيها النظر أيضا، وستساهم بدورها، باعتبار أن العملية التعليمية هي متداخلة، فيها التوجيه، وفيها الأستاذ، وفيها الحياة المدرسية، وفيها الشراكات، وفيها المحيط المدرسي، وفيها مجموعة من العوامل التي بدونها لا يمكن أن نتحدث عن نجاح دراسي، عن أفق، وعن مستقبل، يمكن أن يرضي التلميذ أولا، ويرضي أولياء الأمر ثانيا، ثم الأستاذ ثالثا، ثم المجتمع رابعا.. ثم هناك ملاحظة أخرى ، يمكن أن أشير إليها، وأحسها بشكل واضح، خاصة بالنسبة لمستوى ثانية باكالوريا، شعبة الآداب والعلوم الإنسانية؛ الآن نحن، بالنسبة لتلامذة الآداب والعلوم الإنسانية، لدينا مسلكين، لدينا مسلك الآداب، وهناك مسلك العلوم الإنسانية، ولكن حينما نريد أن نخلق  مسالك داخل شعبة واحدة، يجب أن نميز بين المسالك، وهنا يمكن أن نشير أن مسلك الآداب ليس هناك  مميزات موضوعية وحقيقية بينه وبين العلوم الإنسانية، فهناك  مقرر واحد، وهناك برنامج واحد، الفارق الموجود بين المسلكين، هو غير موضوعي في نظري، الفارق يوجد في عدد الحصص، مسلك الآداب 5 حصص في مادة اللغة العربية، ومسلك العلوم الإنسانية 4 في مادة اللغة العربية، إضافة إلى المُعامل  بين ثلاث بالنسبة لمسلك العلوم الإنسانية، و4 لمسلك الآداب، وهذه مميزات غير موضوعية، في نظري، نفس المقرر، نفس البرنامج، الاختلاف يوجد في عدد الحصص، هل هناك مسلك يختلف عن غيره في عدد الحصص؟ أم أن المسلك كمسلك يجب أن نميز ه في مواده، في برنامجه، في تكوينه؟ لأن الذي يتوجه مسلك علوم الإنسانية، ويجب هنا أن نقف عند هذا المصطلح، علوم إنسانية، يتوجه توجيها نقديا، يتوجه توجيها في اتجاه المناهج وعلاقتها بالعلوم الإنسانية، أو علاقة الدرس الأدبي بمناهج العلوم الإنسانية، ومسلك الآداب، أعتقد أنه مسلك إبداعي، وبذلك أقول دائما على أن مسلك الآداب، ربما أقول إذا وجدنا تلميذا، بالمعنى الذي نريده، ربما سيخلق لنا مبدعا، قصاصا، روائيا، شاعرا، ومسلك العلوم الإنسانية له ارتباط بمجال النقد والعلوم الإنسانية، سيعطينا ناقدا، وهنا يمكن أن يسير النقد والإبداع مسارا موازيا، أما أن نتحدث عن مسلك علوم الإنسانية ومسلك الآداب، والمميز في عدد الحصص وفي المعامل، هذا ليس مميزا على الإطلاق.

س) أمام الوضع المؤسف في هشاشة التكوين لدى التلميذ، كيف يمكن توجيهه إلى الاختيار الصائب؟
ج) اعتقد النصيحة يجب أن توجه إلى المؤطرين والمنضرين، لأن التلميذ حينما يُزج به في مستوى من المستويات، ويُلحق به إلى مستوى من المستويات، معنى ذلك؟  حينما نأخذ تلميذ عليه أن يكرر قسمه من أجل استدراك ما يمكن استدراكه، ومن أجل أن يبني معرفته، وتحصيله الدراسي، بناء حقيقيا، من أجل أن تكون له قدرة على مسايرة المستويات الأخرى، إذا تمكن التلميذ من إعادة بناء معرفته بالمقرر، وجدد صلته بالمقرر بشكل صلب، يمكنه أن يختار لنفسه، ويمكن أن يتوجه إلى مسلك من المسالك، أو إلى شعبة من الشعب، دون أن يحتاج إلى تدخل، لا من طرف أولياء أمره، ولا من طرف أستاذه، بل تحس أن التلميذ داخل القسم له ميول واضح، وهنا يمكن أن نتحدث عن كل الشعب، هناك تلاميذ لهم توجيه واضح إلى شعبة العلوم الرياضية، لا يمكن أن نفرض عليهم شعبة علوم الحياة والأرض، ولذلك فالتلميذ الذي يجب أن يحدد مساره، عليه أن يعيد النظر في وضعه داخل القسم، في وضعه داخل المؤسسة، وأن يفكر  أيضا الذين يؤطرون هذا التلميذ في العوامل والوسائل التي تؤهل التلميذ إلى الاختيار، يجب أن نعيد النظر في الظروف التي يشتغل فيها المستشارون في التوجيه، يجب أن نهيئ لهم الظروف،  من أجل أن يتمكنوا من متابعة تلاميذنا وتلامذتنا داخل المؤسسات، وأن يعقدوا جلسات تحسيسية، لأن كثير من التلاميذ لا يعرفون آفاق الشعب، وكثير من التلاميذ لا يعرفون شيء عن بعض المسالك، ولذلك نجد أن كثيرا من التلاميذ يعبئون تلك الورقات، التي تسمى بورقات الرغبات، يعني كأنه يملأ ورقة عادية، دون أن يشعر أن تلك الورقة التي ملأها هي التي ستحدد مساره الدراسي، وهذا بطبيعة الحال تتحمل فيه  المسؤولية جهات أخرى، وليس التلميذ وحده، هناك مستوى التلميذ، وهناك أيضا أطراف أخرى التي لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بتوجيه التلميذ..

س) يمكن تحديد الأطرف الأخرى التي لها صلة مباشرة أو غير مباشرة في توجيه التلميذ؟
ج) بطبيعة الحال هنا يمكن أن أتحدث عن قسم الاستشاري في التوجيه، وهم الذين لهم علاقة مباشرة، ويمكن أن أقول، بصريح العبارة، يجب أن لا يقتصر، وهنا أقولها وبكل جرأة، كثير من مستشاري التوجيه لا يمنحون لتلامذتنا إلا عشرة دقائق  في الحديث عن التوجيه وعن المسلك والشعبة، ويقتحم عليك حصتك، ويعتذر، ويطلب منك خمسة دقائق أو عشرة دقائق، ويتحدث عن شعبة أو مسلك بشكل عبثي، والتلاميذ يصيحون، ثم ينصرف إلى قسم آخر؛ ولذلك قلت سابقا، يجب إعادة النظر في كل الإطارات التي تساهم في إنجاح المدرسة، وفي إعادة الاعتبار لهذه المدرسة التي تربينا بين جدرانها، وخلقت أجيالا، وتحملت هذه الأجيال مسؤوليات كبرى، ونحن لا يمكن على الإطلاق أن نشكك في المدرسة العمومية، ولكن يجب أن نفكر في السبل والطرق التي تعيد للمدرسة العمومية اعتبارها.

س) لنتجاوز الإحساس بالإحباط، كيف يمكن مساعدة التلميذ الناجح في الباكالوريا، رغم هشاشة تكوينه، في اختيار طريق إلى مستقبله؟
ج) الحقيقة أن شعور التلميذ بالمسؤولية أكثر تكون بعد شهادة الباكالوريا، لأن التلميذ قبل الباكالوريا شيء، وبعد الباكالوريا شيء آخر، خاصة وأن التلميذ بعد الباكالوريا يُحس بأنه دخل إلى مرحلة جديدة، عليه أن يتحمل  فيها مسؤوليته، عليه أن يختار، عليه أن يبني مستقبله، ولذلك فهذه المرحلة هي مرحلة حساسة بالنسبة لتلامذتنا ما بعد الباكالوريا، هناك جهود ترافق التلاميذ، خاصة تلاميذ السنة الثانية باكالوريا، في جميع الشعب، وهي جهود تتمثل في بعض المؤسسات التي يمكن أن نسميها بدار الطالب، أو بعض الورشات التي تُفتح في وجوه تلاميذ السنة الثانية باكالوريا، إما في معرض الدار البيضاء، حيث هناك مؤسسات، قطاع خاص للدراسات العليا والمعمقة، يعرضون مؤسساتهم، وتخصصاتهم إلى غير ذلك؛ وهذا بطبيعة الحال يجعل التلميذ أحيانا يحس بأن هناك مفارقة بين طموحه وبين قدراته، وخاصة قدراته المادية، بالنسبة لكثير من التلاميذ، وهنا أتحدث عن باكالوريتين، باكالوريا بمعدل مقبول، يعني 10 إلى حدود 11.5، إلى غير ذلك، وباكلوريا بمعدل 14 و مافوق، بمعنى أن الباكلوريا  بميزة مقبول تجعل صاحبها يشعر بأن هناك مجموعة من الحواجز  التي تعوقه أحيانا في تحقيق طموحه، ولا يجد أمامه إلا أحيانا الكلية، ثم التلاميذ الذين يحصلون على معدلات متميزة بميزة حسن، حسن جدا، مستحسن، لهم إمكانية في ولوج مؤسسات بمعدلاتهم، وهذا مشكل كبير، يجب أن لا نخلق مفارقة بين باكالوريا وطنية فيها صنفين، صنف ، أقول، له إمكانيات الولوج والاندماج، وصنف آخر يظل حائرا، وهذا لا يمكن أن نبعده أيضا عما سبق أن أشرنا إليه، في التعثر الدراسي، في معدلات العتبة، في مستوى التلميذ الحقيقي، في إمكانياته، إلى غير ذلك،  ولذلك فنحن نلح، ونلتمس من الجهات المسؤولة أن تعيد النظر، وأن تراجع علاقتها مع هذه المؤسسات ذات القطاع الخاص، وأن يكون التلميذ، الذي أحرز على شهادة الباكالوريا، له نفس الفرص، باعتباره يحمل باكالوريا وطنية، له نفس الفرص من أجل أن يلج بحسب قدراته وإمكانياته، سواء المعنوية أو لمادية، أي مؤسسة تعليمية، وهذا سيساهم في تنمية القدرات، وفي تجديد النفس لدى التلميذ، وفي مسح تلك الصورة القاتمة أمام مستقبل كثير من التلاميذ..

س) كلمة أخيرة للتلميذ وقطاع التعليم بصفة عامة.
ج) ختاما ما نتمناه، هو أن ينجح المشروع الإصلاحي، وأن توفر له الظروف الملائمة لإنجاحه، وأن نخرج في هذه المرحلة العصيبة من الحديث عن الأزمة، لأن الحديث عن الأزمة طال، وسبل الخروج من الأزمة تعثر، والحديث عن تحسين الأداء المهني، والجودة، والإصلاح، والميثاق، والمخطط ألاستعجالي، وكثير من الأشياء التي نسمعها، ومشروع "جيني"، وغيرها، هذا شيء إيجابي، ولكن إذا لم نوفر البنيات التحتية، والظروف الملائمة لإنجاح هذا المشروع الإصلاحي سوف نعود إلى لغة الأزمة، وسوف نعود إلى الإحباط، وسوف نعود إلى مدرسة عمومية تدريجيا تفقد مصداقيتها، وتفقد وظائفها الأساسية التي خلقت من أجلها، ولذلك فشعورنا كفاعلين في هذا الحقل، الذي فقد بعض قيمه، نحس على أننا  يجب أن نتجند بحكم هذا الموقع الذي اخترناه بأنفسنا، أن نتجند جميعا، من أجل إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، وإعادة الاعتبار للشهادة العلمية، التي يكد و يجتهد التلميذ من أجل أن يحصل عليها، وأن تفتح له آفاق مستقبلية، وأن تساهم هذه الشهادة في تحسين وضعه العلمي، والاجتماعي، والنفسي؛ وبطبيعة الحال، لا يمكن أن نحقق ذلك إلا إذا ساهمنا جميعا بوعي وبمسؤولية تاريخية ووطنية. وأؤكد على أننا لا يمكن أن نتحدث عن مدرسة ناجحة، تعيد الاعتبار لوظائفها الاجتماعية والتربوية والأخلاقية، إلا بمسؤولية وطنية.


حاوره محمد رياضي
الدار البيضاء، في 14/07/2009

حيرة وجود..

  حيرة وجود .. سمة حورية أسطورية، وعناد نخوة جاهلية، وكبرياء أنثى إنسان، بملامح طفلة غامضة دائمة الحزن والابتسامة، صادفها في حيرة وجود، تا...