Thursday, January 26, 2012

!التعليم العمومي: واقع وآفاق

إهداء: تحية إلى المدرسة العمومية، وصرخة لرد الاعتبار.. تحياتي !
قضايا ومواقف:
حوار1  
التعليم العمومي: واقع وآفاق
  "لا يمكن على الإطلاق أن نشكك في المدرسة العمومية، ولكن يجب أن نفكر في السبل والطرق التي تعيد للمدرسة العمومية اعتبارها.."

الأستاذ المحجوب أروبيت، من مواليد 1959، أستاذ السلك الثاني، أو التعليم الثانوي ألتأهيلي، أستاذ لمادة اللغة العربية بثانوية الحسن الثاني نيابة بنمسيك، حائز على شهادة الإجازة في الآداب والعلوم الإنسانية، أستاذ باحث في مجال التربية، ومهتم بقضايا المدرسة العمومية، وفاعل جمعوي..
قضى الأستاذ المحجوب أروبيت أكثر من عشرين سنة في قطاع التعليم،  يعتبرها الأستاذ أروبيت تجربة متواضعة، لكن قصر المدة التي قضاها في قطاع التعليم، لا تقاس بالكم الهائل الذي استفاده من التجربة، وكذلك لا تقاس بالحماس، ولا تقاس بالشعور بالمسؤولية،  والحس الذي جعله يختار مهنة التعليم، ليس عبثا، وإنما مساهمة بوعيه، وبوطنيته في تنشئة المجتمع وأبنائه، وفي إنجاح المسار التعليمي لهذا الوطن .
من خلال الحوار التالي، سيكشف الأستاذ المحجوب أروبيت عن هموم واقع المدرسة العمومية، ومتمنياته أن تظل مبادرات الإصلاح دائمة من أجل هذا الوطن.
  
س) كيف أتت فكرة التدريس قبل 21 سنة ؟
ج) بطبيعة الحال اختيار مهنة التدريس هو إحساس، وشعور، ووعي بمسؤولية تاريخية وتربوية واجتماعية، ولم يكن اختيارا مصادَفا، بحكم ما يجب أن يتوفر في رجل التعليم من قيم أخلاقية، ومن شعور بالمسؤولية التاريخية؛ وبطبيعة الحال إن رجل التعليم لا يشتغل لنفسه، وإنما يسعى إلى تهيئ جيل بأكمله، يتحمل مسؤوليته، ويتمكن من الانخراط في المجتمع انخراطا ايجابيا، ليكون مواطنا صالحا..

س) بعد 21 سنة من التجربة مع الباكالوريا، هل يمكن أن تقربنا من تلميذ الأمس وتلميذ اليوم؟
ج) إن الحديث عن تلميذ الأمس يرتبط بالظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية التي كانت تجعل من المدرسة العمومية حقلا للتكوين، وحقلا للثقافة، وبطبيعة الحال أيضا إن تلميذ الأمس كان يشعر على  أن المدرسة العمومية كانت بابا واسعا لكي ينخرط في المجتمع، وأن يؤسس لنفسه حياة تُخول له أن يكون مواطنا صالحا.. وقد ساهمت مجموعة من الظروف التاريخية في تكوينه أيضا، وفي جعله تلميذا يبحث، ويثقف نفسه، ويساير مقرراته، وله هدف واحد، هو أن يكون ايجابيا، وأن يتمكن من تحقيق ما يحلم به من خلال مشروعه الدراسي، سواء في تعليمه الثانوي أو في المرحلة الجامعية أو الدراسات العليا.. وكانت المدرسة العمومية حققت، في الكثير من المناسبات، هذه الطموحات، وكان جيل بأكمله حينما يأخذ شهادته يجد عملا؛ أما تلميذ اليوم، بطبيعة الحال، الظروف تغيرت، وسوق الشغل وحاجياته  أيضا تغيرت، وأن التحولات التي عرفتها وسائل التعليم والتثقيف، وسائل الإعلام والتكنولوجيات المعاصرة، إضافة إلى الظروف الاجتماعية والسياسية، جعلت تلميذ اليوم يُحس بنوع من الإحباط، ويحس أيضا بنوع من اليأس، إضافة إلى عوامل أخرى ترتبط بالوضعية العامة للمؤسسة التعليمية اليوم، وهذا موضوع آخر..

س) هذا عن التلميذ، ماذا عن الأستاذ؟
ج) أستاذ الأمس، كما قلت سابقا، إن اختيار مهنة التعليم بصفة عامة كانت ترتبط بشعور داخلي، بمعنى لا يمكن أن يقتحم مجال التعليم كل من لم يجد شغلا، ولكن اليوم، بطبيعة الحال نحن لا ننقص من رجال التعليم، و لكن هناك مجموعة من الأساتذة الذين ـ ربما ـ دخلوا إلى هذا الميدان بحثا عن  الشغل أكثر مما يحسون بما يفرضه عليهم الواجب لا الوطني، ولا التربوي، ولا الاجتماعي، ولا التاريخي أيضا؛ وهذا يجعلنا نحس بأن هناك، كما عبر كثير من أساتذتنا، منهم من رحمه الله، ومنهم لازال على قيد الحياة:"هناك فئتين ، هناك رجل التعليم، وهناك موظف في قطاع التعليم".

س) هناك من يقول أن العقلية وذهنية التلميذ اليوم قد تغيرت عن تلميذ الأمس، كيف ترى ذلك؟
ج) عقلية التلميذ لابد أن تتغير، إذا لم تتغير عقلية التلميذ معنى ذلك أن الواقع لا يتغير، في فترة سابقة كان التلميذ يرتبط بمقرره، بأستاذه، بمؤسسته، اليوم ـ ربما نقول ـ إن التلميذ أحيانا يتجاوز أستاذه، ويتجاوز مقرراته، بحكم الوسائل الحديثة التي أصبحت تسير بشكل مواز للمدرسة العمومية، بل أحيانا التلميذ يحس أنه ـ ربما ـ قد يلتقط المعلومة من وسائل مختلفة بشكل أكثر دقة وأكثر سرعة مما ينتظره من القسم، أو من الأستاذ. ولذلك لابد للعقلية أن تتغير، ولكن ما نطمح إليه هو أن يكون هذا التغيير إيجابيا، وأن يعيد للتلميذ مواصفاته، بطبيعة الحال، لأن كثير من تلاميذ اليوم، بحكم الظروف التي تحدثنا عنها سابقا، فقدوا كثيرا من القيم والمواصفات التي تجعلهم يتحفزون إلى ما يدرسونه، و يفكرون في بناء مستقبلهم، لأسباب متعدد لا يمكن أن نعزلها عن الواقع الاجتماعي، عن آفاق الشغل، عن كثير من الأوضاع التي يمكن أن نعتبرها، بنسب متفاوتة، عامل من العوامل التي تجعل كثير من العقليات يائسة، كثير من العقليات من الصعب أن تعيد لها الثقة في المؤسسة التعليمية، في المقررات، في كثير من الأشياء..

س) 21سنة من التدريس، تجربة مهنية مهمة في التلقين و التوجيه، وربط التواصل بين الأستاذ وتلامذته، هل يمكن أن تسمح لنا أن نقتحم عالم علاقة الأستاذ بتلامذته وتلميذاته؟
ج) بطبيعة الحال أحيانا نحس في علاقتنا بتلامذتنا أن ما نقضيه من وقت معهم  ربما  أكثر مما نقضيه في بيوتنا أحيانا، وكذلك بالنسبة للتلميذ يحس، إذا كان الأستاذ إيجابيا في علاقته مع تلامذته؛ لابد أن يشعر التلميذ بنفس الشعور، ولذلك من الضروري ومن الواجب أن لا يقتصر الأستاذ على التلقين، لأن إذا اقتصر الأستاذ على التلقين ربما قد يتحول إلى "روبو"، وأحيانا يمكن أن يتجاوزه تلميذه ليبحث عن المعرفة في وسائل أخرى، ولكن دور الأستاذ ضروري، وأهمية الأستاذ في المعرفة، وفي التلقين، وفي التوجيه أيضا ضروري؛ ولذلك فعلى الأستاذ أيضا أن يخرج من تلك الصورة التقليدية التي تعودنا عليها في ظروف سابقة. اليوم الثقافة والمعرفة، ووسائل المعرفة وسائل الثقافة، وقنوات الاتصال تطورت، وانفتحت المؤسسة، وانفتح الأستاذ أيضا، باعتبار دوره  يشكل عنصرا أساسيا في العملية التعليمية إلى جانب التلميذ، انفتح كل ما له صلة بمجال التربية والتكوين والمعرفة والثقافة، انفتحوا على أفاق جديدة من التعلم، ووسائل جديدة من التلقين، ولذلك فالأستاذ يجب أن ينفتح على تلامذته، وهذا الانفتاح يرتبط بتقنيات التواصل، والاستماع إلى تلامذته بخلق أوراش موازية، ما نسميها عادة بالأنشطة الموازية، التي تجعل التلميذ يحب مدرسته، ويحب محيطه المدرسي، ويحب أستاذه، ويكون شغوفا بمدرسته وبأستاذه؛ وهذا لا يمكنه أن يتحقق إلا إذا حاولنا أن نغير من حياتنا المدرسية، لأن الأستاذ ـ بطبيعة الحال ـ لا يمكنه أن يضحي بحصصه لكي يستمع إلى تلميذه، لكن يمكن أن يحقق ذلك من خلال خلايا، أو من خلال أوراش، أو من خلال أنشطة موازية، أو ما يسمى الآن بخلايا الإنصات، وهذه الخلايا تجعل التلميذ يبوح أحيانا لأستاذه ببعض المشاكل التي يعاني منها، ولذلك أرى ـ بحسب اعتقادي ـ أن المدرسة الناجحة في حياتنا المعاصرة لابد أن تنفتح على شرَكات، ومن بين هذه الشركات يمكن أن نتحدث عن شراكة مع علماء في مجال الطب النفسي، أو ما يسمى بعلم النفس التربوي، يمكن أن ننفتح أيضا على  باحثين سوسيولوجيين، ويمكن أن نشتغل على شكل بحوث، وعلى شكل أوراش، تساعدنا على تتبع بعض الأوضاع الاجتماعية، وبعض الحالات النفسية التي يمكن أن تؤثر على سير التلميذ الدراسي، ويمكن من خلالها أن نفتح قنوات التواصل من أجل إعادة إدماج كثير من التلاميذ الذين يعانون من التعثر الدراسي، أو يعانون من بعض الحالات النفسية؛ وهذا لتفادي ،كما ربما قد تتبعون من خلال وسائل الإعلام لا السمعية أو البصرية، بعض الظواهر الشاذة التي بدأت تعرفها المدرسة العمومية، كظاهرة العنف؛ وظاهرة العنف لا يمكن أن نستثنيها من الظواهر التي يعرفها المجتمع بصفة عامة، ولكن المدرسة خلقت لإعادة  إدماج الناشئة الاجتماعية؛ و لإعادة  إدماج الناشئة الاجتماعية يجب أن تتحرر المؤسسة التعليمية من بعض القيم التقليدية، يجب أن تنفتح على المحيط المدرسي، يجب أن تنفتح على الشرَكات، يجب أن تنفتح على الجمعيات، يجب أن تنفتح على كل ما يساهم في إعادة الاعتبار للتلميذ أولا، وإعادة إدماجه في الحقل الدراسي، وفي الحياة المدرسية، وأن تنفتح أيضا على كل ما  يمكن أن نحس في دواخلنا أنه سيساهم، بشكل أو بآخر ، في إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية..

س) في انتظار الانفتاح، كيف يمكن تحقيق حلم تحسين الأداء المهني و تلميع صورة المدرسة العمومية؟
ج) هذا مشروع تفكر فيه الوزارة بإلحاح، من خلال مجموعة من الدراسات والبحوث التربوية التي انكبت عليها خلايا من أجل تحسين الأداء المهني في المؤسسة العمومية، ويمكن أن أشير في هذا الإطار إلى مشروع "جيني"، مشروع إيجابي، وإن لم تُوفر له الوزارة الشروط الضرورية، والسبل، و الإطار المرجعي بشكل  دقيق من أجل إنجاحه، بالإضافة إلى ذلك فمشروع "جيني"، الذي يرتبط  بما أسميناه بتحسين الأداء المهني، بدأ ربما خمس أو ست سنوات، ولكن الشعور بإلحاحه لم نحس به كفاعلين مباشرين في العملية التربوية، وخاصة في مجال التدريس، لم نشعر به إلا في مرحلة متأخرة، ونحن نحس، كما قلت سابقا، أن هذا المشروع، هو مشروع له طموح، وسيساهم في تحسين الأداء المهني، وفي تلميع صورة المدرسة العمومية، وفي تحسين وسائل التدريس، ووسائل العمل، وتدقيق المعلومة، وجعل المدرسة العمومية مدرسة ناجحة  وحديثة، ولكن ،كما قلت سابقا، إن أي مشروع لابد و أن تهيئ له الظروف المناسبة، وأن تهيئ له البنيات التحتية، ونحن نعلم اليوم إذا كان مشروع نافذة، قد سمح أن يقتني كل أستاذ حاسوب متنقل، سيساهم في تحسين أدائه، وفي تدقيق المعلومة، والبحث إلى غير ذلك، ولكن إذا عدنا إلى البنية التحتية للمؤسسات العمومية، نجد أن هناك صعوبة في استعمال هذه الوسائل الحديثة، بالإضافة إلى ذلك كثير من المؤسسات تفتقر إلى الكهرباء، كثير من المؤسسات تفتقر إلى وسائل تساهم في الدفع  بهذا المشروع إلى ما نحلم به جميعا، وتحلم  به المدرسة المغربية، والمدرسة العمومية، وما نسعى إليه بجهودنا المتواضعة لخلق مدرسة ناجحة، مواطنة، تساهم وتساير التحولات التي عرفتها مجالات المعرفة، والتواصل، والتكوين، وغير ذلك..

س) السنوات التي قضيتها في التعليم، عرف القطاع ميثاق التربية والتكوين ثم المخطط الأستعجالي، هل تحقق شيء، أم واجهته عراقيل؟..
ج) مجرد الحديث عن الإصلاح هذا شيء إيجابي، بالمقارنة مع مراحل سابقة، ولكن كما قلت سابقا، إن ميثاق التربية والتكوين جاء بمجموعة من التصورات، ومن سيناريوهات التي تبدو إيجابية، وتسعى إلى خلق مدرسة جديدة، حديثة، مواطنة، ولكن، كما ربما  تتبعتم، على أن مشروع الميثاق لم يتحقق في جل بنوده، أو سيناريوهاته، ولذلك تلاحظون أن ما جاء بعد الميثاق، أو عشرية الميثاق، هو المخطط ألاستعجالي، وبطبيعة الحال إذا ربطنا بين المخطط ألاستعجالي وميثاق التربية والتكوين، هنا يمكن أن نتحدث عن، لا أقول الإخفاق، وإنما أقول التعثر، لأن هناك فرق بين الإخفاق والتعثر، إن ميثاق التربية والتكوين لم يكن فاشلا، ولكن بطؤه، وعدم توفير الشروط الملائمة، وعدم مسايرة طموحات الوزارة في الإصلاح، والبنيات التحتية للمؤسسات هو الذي جعل الميثاق، ربما، يتعثر في بعض سيناريوهاته أو بعض بنوده. ولذلك جاء المخطط ألاستعجالي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولإعادة بث دم جديد في شرايين الفاعلين التربويين، ومن أجل إعادة التفكير في قضايا المؤسسة العمومية، وفي قضايا وسائل التدريس، وفي البرامج، وفي كثير من الأشياء.. وهذا شيء إيجابي، نحن نحبذه؛ والإنسان الذي لا يجدد معرفته، وثقافته، ولا يساير تحولات العصر في وسائل إعلامه، ووسائل اتصاله وتواصله، بطبيعة الحال لا يمكنه أن يخلق مدرسة حديثة قادرة على مسايرة تحولات العصر..

س) في خضم هذا الكفاح من أجل خلق مدرسة جديدة وحديثة، ورغم التعثر في تحقيق مبتغى الإصلاح بشكل عام، هل لامستم تطورا في المستوى الدراسي للتلاميذ؟ 
ج) بحكم تجربتي المتواضعة، وبحكم علاقتي بتلامذتي، وبمؤسستي، وبالبرنامج، خاصة مستوى السنة الثانية باكالوريا، أحس أن مستوى التلاميذ لم يتغير، بل العكس هو الذي حصل. في وقت سابق، كنا نحس على أن التلميذ له ارتباط وثيق بالمدرسة العمومية، وكنا نحس أيضا أن التلميذ له هاجس الدراسة، وله هاجس أن يتوفق في مساره الدراسي، وأن يحصل على نتيجة إيجابية، وأن يفرح أهله، وأن يفرح مجتمعه، وأن يعيد الاعتبار لأساتذته، الذين بذلوا جهدا كبيرا في توجيهه، وفي إعانته على تمثل دروسه، ولكن اليوم أعتقد أن اللفظ، الذي ربما قد يلاءم وضع تلميذ اليوم، أنه تلميذ شارد. لماذا ؟ لظروف متعددة، منها ما هو ذاتي، يرتبط بالتلميذ، وبتمرده، وبيأسه، وبرؤيته المأساوية والظلامية، وبفقدانه الثقة في مؤسسته، ومنه ما يرتبط بالمجتمع، وبسوق الشغل، وبالتحولات التي لم تسايرها المدرسة العمومية، إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بأساليب التقويم. والمعضلة اليوم، التي ربما أعتقد أنها تشكل موضوعا أساسيا  في الوزارة، وفي مصلحة الشؤون المرتبطة بالتقويم، هي إعادة النظر بأساليب التقويم، إضافة إلى أن تجربتي المتواضعة جعلتني أخلص إلى نتيجة على أن إذا كنا نبحث، وننظر، ونسعى إلى تحقيق ، ما نسميه اليوم بالمدرسة الناجحة، وإعادة اعتبار لهذه المؤسسة العمومية، وأن نحقق مكتسبات في مشروعنا الإصلاحي لمدرستنا الوطنية والعمومية، لابد أن نعيد النظر في كثير من الأشياء، وأن تكون لدينا جرأة، و أن نبعد قطاع التعليم عن القراءات السياسوية، لأننا نريد في يوم من الأيام  أن لا نبحث عن الأرقام، بمعنى لا أريد أن أقول أن الوزارة اليوم تهمها الأرقام أكثر من نجاح المشروع الدراسي، ولذلك أجد كثير من المداخلات الرسمية تقول لدينا في التعليم الأولي نسبة كذا، وفي التعليم الإعدادي نسبة كذا، ونسبة النجاح كذا، وارتفعت بنسبة كذا، ولكن كيف ارتفعت ؟ هذا هو السؤال الذي يمكن أن نجيب عليه  بجرأة حقيقية، وأن نتحمل مسؤوليتنا، وهنا يمكن أن أتحدث عن معضلة العتبة، عتبة النجاح، فنحن نلاحظ أن التلميذ في التعليم الأولي ينتقل إلى الإعدادي بمعدلات لا تساهم في إنجاح المدرسة العمومية، إضافة إلى السنة الأولى من التعليم الإعدادي أغلب التلاميذ الذين يلتحقون بالسنة الثانية من التعليم الإعدادي، أو الثامنة كما نسميها عادة، بمعدل 8، ثم في التاسعة أيضا بمعدل 8,5 أو 9، ثم حينما يلتحق التلميذ بالتعليم الثانوي، في مستوى الجدع المشترك، يُلحق بالسنة الأولى من الباكالوريا بمعدل 9؛ المعضلة حينما يصل التلميذ إلى مستوى الباكالوريا ، وهذه الخلاصة، تجعلني أقول على أن هناك بعض التلاميذ الذين لم يحصلوا على معدل قانوني، بمعنى 10، منذ بداية مساره الدراسي، فكيف يمكن للإصلاح أن ينجح بمفهوم تربوي حقيقي، بعيد عن الإحصائيات، وبعيد عن الدماغوجيات، وبعيد عن القراءات السياسوية. إذا أردنا بالفعل أن نخلق مدرسة ناجحة، مدرسة مواطنة، يجب أن نتحمل مسؤوليتنا، وأن لا نخادع التلميذ، التلميذ الذي عليه أن يكرر القسم، ولم يحصل عن معدل قانوني 10،  يجب أن يكر ر القسم، وهذا في صالحه، نحن إذا عدنا بالذاكرة إلى الماضي، هناك مجموعة من التلاميذ الذين كانوا يرسبون بمعدل 12، و بعدل 11، أما اليوم فهناك داخل القسم الواحد، أي فصل واحد، هناك ثلاث عينات، أو أربع عينات، أو أربع فئات،  هناك فئات نجحت، أو أُلحقت، وهذا هو المصطلح الذي أراه موضوعي ومناسب، ألحقت من الجدع المشرك  إلى السنة الأولى  بمعدل 8,5 أو 9، وألحقت  من السنة الأولى من التعليم الثانوي إلى السنة الثانية ب 9؛ ماذا ننتظر من التلميذ؟ لم يحصل على معدل قانوني ومستواه الدراسي ضعيف، ونحن نعلم  من الناحية العلمية أن المقرر في تصاعد من مستوى إلى آخر، فكيف أن التلميذ لم يساير في مستوى أدنى سيساير في مستوى أعلى؟ وأعتبر أن هذا من العوامل الأساسية التي أدت إلى تدني مستوى التلميذ، إضافة إلى تدني النسب، وخاصة في النتائج التي ننتظرها جميعا  بالنسبة لتلاميذ السنة الثانية باكالوريا. وهذا موضوع يجب أن نفكر فيه بشكل موضوعي، ويجب أن نتجاوزه بالفعل لكي نحسن من أدائنا، ومن مردود تلامذتنا، فهم أبناؤنا، ونحن حينما نتحدث عن هذا الوضع نحس، من خلال مسؤوليتنا التاريخية، أننا نفكر في ناشئتنا بكل حس وطني، و بكل حس تربوي من أجل مدرسة ناجحة.

س) رغم الظروف الصعبة وهاجس هم  الإصلاح والتطوير، كيف تتم عملية توجيه تلميذ السنة الثانية باكالوريا في اختيار الشعبة المناسبة لمؤهلاته ؟.
ج) بطبيعة الحال إن التلميذ الذي يصل إلى السنة الثانية باكالوريا قد وُجه بشكل سابق، لأن تلميذ الثانية باكالوريا  لا يحتاج إلى أستاذه أحيانا لأن يوجهه، لماذا؟ لأن التوجيه التربوي يرتبط بمصلحة قائمة الذات، لها أطرها، ولها تكوينها، ولها مشرفوها، ولها المنسقون، وهي مصلحة المستشارين التربويين، أو المستشار في التوجيه. وكثير من المستشارين في التوجيه، أحيانا، لا أقول أنهم يخلون بعملهم، ولكن ظروفهم أيضا، ووسائل عملهم، وما يوفر لهم من إمكانيات تحول أحيانا دون أن يصلوا إلى ما يرغبون فيه في عملهم. لماذا؟ لأن المستشار في التوجيه، بطبيعة الحال، يجب أن يكون له مكتب داخل المؤسسة. لماذا؟ لأن التلميذ في حاجة إلى التوجيه، ابتداء من مستوى الجدع المشترك، خاصة أن توجهات اليوم تعرف مسالك متعددة، وهناك بالنسبة للجدع المشرك هناك مسلك واحد، سواء بالنسبة للأدبيين، أو بالنسبة للشعب العلمية، هناك مسلك الآداب و العلوم الإنسانية، وهناك مسلك العلوم، ولكن حينما ينتقل التلميذ إلى السنة الأولى من التعليم الثانوي، هناك  مسالك  أخرى، وتوجهات أخرى، هناك العلوم الاقتصادية، هناك العلوم الرياضية، هناك مسلك العلوم الإنسانية، ثم في السنة الثانية، حينما يريد التلميذ أن ينتقل إلى السنة الثانية باكالوريا، هناك مسلك علوم فيزيائية، أو مسلك علوم الحياة والأرض، ومسلك بطبيعة الحال العلوم الإنسانية أو مسلك الآداب. ولذلك فهذه المسالك المتعددة أحيانا تخلق لدى التلميذ نوع من التشويش، ونحن نعلم أن أغلب التلاميذ يحسون بصعوبة الاختيار، ويوكل توجيهه إما لأستاذه، إذا كان ينظر إليه باعتباره موجها ومدرسا وأبا، وأحيانا يوكل توجيهه إلى أولياء أمره. معنى ذلك أنه قليلا ما نجد تلميذا يحس بقدرات، ويحس بميولات إلى شعبة أو مسلك معين، أي منذ التحاقه بالتعليم الثانوي ألتأهيلي يجد التلميذ مؤهلاته في مسلك علوم رياضية، أو يجدها في علوم الحياة والأرض  أو في مسلك آخر، ولكن صعوبة الاختيار ترتبط ، كما قلنا سابقا، إلى هشاشة التكوين لدى التلاميذ، وهذه الهشاشة، بطبيعة الحال، لها ارتباط بمسار دراسي بأكمله، منذ التعليم الإعدادي إلى التعليم الثانوي؛ ميولات التلميذ تظهر بشكل واضح منذ التعليم الإعدادي، إذا كان التلميذ يتوفر على كفاءات، ويتوفر على تكوين واضح المعالم، بطبيعة الحال بتأطير المستشارين في التوجيه، وبتأطير أولياء الأمر؛ وفي النهاية، حسب اعتقادي، إن التلميذ هو الذي يميل إلى مسلك من المسالك، أو إلى شعبة من الشعب، لأن قدرات التلميذ هي التي تفرض نفسها، وليس أملاءات لا أولياء الأمر، ولا الأستاذ، ولا أي طرف آخر، فإذا اختار التلميذ شعبته، واقتنع بها، يمكن أن يحقق طموحاته من خلال هذه الشعبة، وإذا كان مدفوعا إلى هذه الشعبة لإرضاء طرف من الأطرف، بطبيعة الحال، سوف يحس بنوع من التقهقر، ومن الضعف، وعدم القدرة على المسايرة، وهنا،كما نلاحظ في بداية أي موسم دراسي،  هناك عدد هائل من الطلبات التي موضوعها إعادة التوجيه. وهذا بطبيعة الحال نحسه حتى داخل الأقسام، بمعنى هناك مجموعة من التلاميذ لا يسايرون، وحينما تبحث في وضعهم، وفي أسباب تراجعهم، أو في أسباب ضعفهم الدراسي، يصرحون على أن هذا المسلك ربما أملاه عليه أحد أفراد العائلة، وأنه لا يميل إلى هذا المسلك إطلاقا.. وهذه  معضلة كبرى، يجب أن نعيد فيها النظر أيضا، وستساهم بدورها، باعتبار أن العملية التعليمية هي متداخلة، فيها التوجيه، وفيها الأستاذ، وفيها الحياة المدرسية، وفيها الشراكات، وفيها المحيط المدرسي، وفيها مجموعة من العوامل التي بدونها لا يمكن أن نتحدث عن نجاح دراسي، عن أفق، وعن مستقبل، يمكن أن يرضي التلميذ أولا، ويرضي أولياء الأمر ثانيا، ثم الأستاذ ثالثا، ثم المجتمع رابعا.. ثم هناك ملاحظة أخرى ، يمكن أن أشير إليها، وأحسها بشكل واضح، خاصة بالنسبة لمستوى ثانية باكالوريا، شعبة الآداب والعلوم الإنسانية؛ الآن نحن، بالنسبة لتلامذة الآداب والعلوم الإنسانية، لدينا مسلكين، لدينا مسلك الآداب، وهناك مسلك العلوم الإنسانية، ولكن حينما نريد أن نخلق  مسالك داخل شعبة واحدة، يجب أن نميز بين المسالك، وهنا يمكن أن نشير أن مسلك الآداب ليس هناك  مميزات موضوعية وحقيقية بينه وبين العلوم الإنسانية، فهناك  مقرر واحد، وهناك برنامج واحد، الفارق الموجود بين المسلكين، هو غير موضوعي في نظري، الفارق يوجد في عدد الحصص، مسلك الآداب 5 حصص في مادة اللغة العربية، ومسلك العلوم الإنسانية 4 في مادة اللغة العربية، إضافة إلى المُعامل  بين ثلاث بالنسبة لمسلك العلوم الإنسانية، و4 لمسلك الآداب، وهذه مميزات غير موضوعية، في نظري، نفس المقرر، نفس البرنامج، الاختلاف يوجد في عدد الحصص، هل هناك مسلك يختلف عن غيره في عدد الحصص؟ أم أن المسلك كمسلك يجب أن نميز ه في مواده، في برنامجه، في تكوينه؟ لأن الذي يتوجه مسلك علوم الإنسانية، ويجب هنا أن نقف عند هذا المصطلح، علوم إنسانية، يتوجه توجيها نقديا، يتوجه توجيها في اتجاه المناهج وعلاقتها بالعلوم الإنسانية، أو علاقة الدرس الأدبي بمناهج العلوم الإنسانية، ومسلك الآداب، أعتقد أنه مسلك إبداعي، وبذلك أقول دائما على أن مسلك الآداب، ربما أقول إذا وجدنا تلميذا، بالمعنى الذي نريده، ربما سيخلق لنا مبدعا، قصاصا، روائيا، شاعرا، ومسلك العلوم الإنسانية له ارتباط بمجال النقد والعلوم الإنسانية، سيعطينا ناقدا، وهنا يمكن أن يسير النقد والإبداع مسارا موازيا، أما أن نتحدث عن مسلك علوم الإنسانية ومسلك الآداب، والمميز في عدد الحصص وفي المعامل، هذا ليس مميزا على الإطلاق.

س) أمام الوضع المؤسف في هشاشة التكوين لدى التلميذ، كيف يمكن توجيهه إلى الاختيار الصائب؟
ج) اعتقد النصيحة يجب أن توجه إلى المؤطرين والمنضرين، لأن التلميذ حينما يُزج به في مستوى من المستويات، ويُلحق به إلى مستوى من المستويات، معنى ذلك؟  حينما نأخذ تلميذ عليه أن يكرر قسمه من أجل استدراك ما يمكن استدراكه، ومن أجل أن يبني معرفته، وتحصيله الدراسي، بناء حقيقيا، من أجل أن تكون له قدرة على مسايرة المستويات الأخرى، إذا تمكن التلميذ من إعادة بناء معرفته بالمقرر، وجدد صلته بالمقرر بشكل صلب، يمكنه أن يختار لنفسه، ويمكن أن يتوجه إلى مسلك من المسالك، أو إلى شعبة من الشعب، دون أن يحتاج إلى تدخل، لا من طرف أولياء أمره، ولا من طرف أستاذه، بل تحس أن التلميذ داخل القسم له ميول واضح، وهنا يمكن أن نتحدث عن كل الشعب، هناك تلاميذ لهم توجيه واضح إلى شعبة العلوم الرياضية، لا يمكن أن نفرض عليهم شعبة علوم الحياة والأرض، ولذلك فالتلميذ الذي يجب أن يحدد مساره، عليه أن يعيد النظر في وضعه داخل القسم، في وضعه داخل المؤسسة، وأن يفكر  أيضا الذين يؤطرون هذا التلميذ في العوامل والوسائل التي تؤهل التلميذ إلى الاختيار، يجب أن نعيد النظر في الظروف التي يشتغل فيها المستشارون في التوجيه، يجب أن نهيئ لهم الظروف،  من أجل أن يتمكنوا من متابعة تلاميذنا وتلامذتنا داخل المؤسسات، وأن يعقدوا جلسات تحسيسية، لأن كثير من التلاميذ لا يعرفون آفاق الشعب، وكثير من التلاميذ لا يعرفون شيء عن بعض المسالك، ولذلك نجد أن كثيرا من التلاميذ يعبئون تلك الورقات، التي تسمى بورقات الرغبات، يعني كأنه يملأ ورقة عادية، دون أن يشعر أن تلك الورقة التي ملأها هي التي ستحدد مساره الدراسي، وهذا بطبيعة الحال تتحمل فيه  المسؤولية جهات أخرى، وليس التلميذ وحده، هناك مستوى التلميذ، وهناك أيضا أطراف أخرى التي لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بتوجيه التلميذ..

س) يمكن تحديد الأطرف الأخرى التي لها صلة مباشرة أو غير مباشرة في توجيه التلميذ؟
ج) بطبيعة الحال هنا يمكن أن أتحدث عن قسم الاستشاري في التوجيه، وهم الذين لهم علاقة مباشرة، ويمكن أن أقول، بصريح العبارة، يجب أن لا يقتصر، وهنا أقولها وبكل جرأة، كثير من مستشاري التوجيه لا يمنحون لتلامذتنا إلا عشرة دقائق  في الحديث عن التوجيه وعن المسلك والشعبة، ويقتحم عليك حصتك، ويعتذر، ويطلب منك خمسة دقائق أو عشرة دقائق، ويتحدث عن شعبة أو مسلك بشكل عبثي، والتلاميذ يصيحون، ثم ينصرف إلى قسم آخر؛ ولذلك قلت سابقا، يجب إعادة النظر في كل الإطارات التي تساهم في إنجاح المدرسة، وفي إعادة الاعتبار لهذه المدرسة التي تربينا بين جدرانها، وخلقت أجيالا، وتحملت هذه الأجيال مسؤوليات كبرى، ونحن لا يمكن على الإطلاق أن نشكك في المدرسة العمومية، ولكن يجب أن نفكر في السبل والطرق التي تعيد للمدرسة العمومية اعتبارها.

س) لنتجاوز الإحساس بالإحباط، كيف يمكن مساعدة التلميذ الناجح في الباكالوريا، رغم هشاشة تكوينه، في اختيار طريق إلى مستقبله؟
ج) الحقيقة أن شعور التلميذ بالمسؤولية أكثر تكون بعد شهادة الباكالوريا، لأن التلميذ قبل الباكالوريا شيء، وبعد الباكالوريا شيء آخر، خاصة وأن التلميذ بعد الباكالوريا يُحس بأنه دخل إلى مرحلة جديدة، عليه أن يتحمل  فيها مسؤوليته، عليه أن يختار، عليه أن يبني مستقبله، ولذلك فهذه المرحلة هي مرحلة حساسة بالنسبة لتلامذتنا ما بعد الباكالوريا، هناك جهود ترافق التلاميذ، خاصة تلاميذ السنة الثانية باكالوريا، في جميع الشعب، وهي جهود تتمثل في بعض المؤسسات التي يمكن أن نسميها بدار الطالب، أو بعض الورشات التي تُفتح في وجوه تلاميذ السنة الثانية باكالوريا، إما في معرض الدار البيضاء، حيث هناك مؤسسات، قطاع خاص للدراسات العليا والمعمقة، يعرضون مؤسساتهم، وتخصصاتهم إلى غير ذلك؛ وهذا بطبيعة الحال يجعل التلميذ أحيانا يحس بأن هناك مفارقة بين طموحه وبين قدراته، وخاصة قدراته المادية، بالنسبة لكثير من التلاميذ، وهنا أتحدث عن باكالوريتين، باكالوريا بمعدل مقبول، يعني 10 إلى حدود 11.5، إلى غير ذلك، وباكلوريا بمعدل 14 و مافوق، بمعنى أن الباكلوريا  بميزة مقبول تجعل صاحبها يشعر بأن هناك مجموعة من الحواجز  التي تعوقه أحيانا في تحقيق طموحه، ولا يجد أمامه إلا أحيانا الكلية، ثم التلاميذ الذين يحصلون على معدلات متميزة بميزة حسن، حسن جدا، مستحسن، لهم إمكانية في ولوج مؤسسات بمعدلاتهم، وهذا مشكل كبير، يجب أن لا نخلق مفارقة بين باكالوريا وطنية فيها صنفين، صنف ، أقول، له إمكانيات الولوج والاندماج، وصنف آخر يظل حائرا، وهذا لا يمكن أن نبعده أيضا عما سبق أن أشرنا إليه، في التعثر الدراسي، في معدلات العتبة، في مستوى التلميذ الحقيقي، في إمكانياته، إلى غير ذلك،  ولذلك فنحن نلح، ونلتمس من الجهات المسؤولة أن تعيد النظر، وأن تراجع علاقتها مع هذه المؤسسات ذات القطاع الخاص، وأن يكون التلميذ، الذي أحرز على شهادة الباكالوريا، له نفس الفرص، باعتباره يحمل باكالوريا وطنية، له نفس الفرص من أجل أن يلج بحسب قدراته وإمكانياته، سواء المعنوية أو لمادية، أي مؤسسة تعليمية، وهذا سيساهم في تنمية القدرات، وفي تجديد النفس لدى التلميذ، وفي مسح تلك الصورة القاتمة أمام مستقبل كثير من التلاميذ..

س) كلمة أخيرة للتلميذ وقطاع التعليم بصفة عامة.
ج) ختاما ما نتمناه، هو أن ينجح المشروع الإصلاحي، وأن توفر له الظروف الملائمة لإنجاحه، وأن نخرج في هذه المرحلة العصيبة من الحديث عن الأزمة، لأن الحديث عن الأزمة طال، وسبل الخروج من الأزمة تعثر، والحديث عن تحسين الأداء المهني، والجودة، والإصلاح، والميثاق، والمخطط ألاستعجالي، وكثير من الأشياء التي نسمعها، ومشروع "جيني"، وغيرها، هذا شيء إيجابي، ولكن إذا لم نوفر البنيات التحتية، والظروف الملائمة لإنجاح هذا المشروع الإصلاحي سوف نعود إلى لغة الأزمة، وسوف نعود إلى الإحباط، وسوف نعود إلى مدرسة عمومية تدريجيا تفقد مصداقيتها، وتفقد وظائفها الأساسية التي خلقت من أجلها، ولذلك فشعورنا كفاعلين في هذا الحقل، الذي فقد بعض قيمه، نحس على أننا  يجب أن نتجند بحكم هذا الموقع الذي اخترناه بأنفسنا، أن نتجند جميعا، من أجل إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، وإعادة الاعتبار للشهادة العلمية، التي يكد و يجتهد التلميذ من أجل أن يحصل عليها، وأن تفتح له آفاق مستقبلية، وأن تساهم هذه الشهادة في تحسين وضعه العلمي، والاجتماعي، والنفسي؛ وبطبيعة الحال، لا يمكن أن نحقق ذلك إلا إذا ساهمنا جميعا بوعي وبمسؤولية تاريخية ووطنية. وأؤكد على أننا لا يمكن أن نتحدث عن مدرسة ناجحة، تعيد الاعتبار لوظائفها الاجتماعية والتربوية والأخلاقية، إلا بمسؤولية وطنية.


حاوره محمد رياضي
الدار البيضاء، في 14/07/2009

Friday, January 6, 2012

Fire of Silence ! نار الصمت


إهداء: تحية إلى الانتفاضة العربية، ثورة المواطن المقهور من المحيط إلى بحر عمان.
نار الصمت !
          
          وسط سكون الليل الهارب من صخب النهار المرهق، وعلى امتداد سرير زحفت عليه أجيال زمن الضياع والقمع 
      المؤمم، جسد، بارتخاء ثقيل، مستلق على ظهره، يلهث بصعوبة خانقة، يستنجد الرحمة والسكينة، بعد صراع رهيب
      كي لا تسحقه همجية النهار الموحش. يشتد لهاثه العصيب، وخياله جامح، باضطراب خفي، يتصيد الأمان في زمن
      الفضيحة  فضيلة.
       مات الأمان في قلبه، واستعذبه زمن المكر المباغت، ولحفه الرعب، وسكنه الخوف، واستبد به القلق، وتوترت
      أعصابه، وتوهج الحر في دواخله، فتلقفه صمت اليأس.. يمضي الوقت مملا، وتروح معه القدرة على النوم، ويستولي عليه
      الأرق، وما على أسير أعزل إلا أن يرضخ لمزاجية سجان صريع نزواته.
    لبث المقهور مغتربا في غرفته الغارقة في الظلمة، وفي صمت يفيض بالهزيمة أخذ نفسا طويلا، ومضت ذاكرته معلقة بأنياب الليل المعقوفة، وفي لحظة لاجئة، منفلتة من بين شقوق السواد الهائج، وبكل ما تحمله من إلحاح على اقتحام سواد الليل، اعتراه الهبل والذعر الصادم، فأخذ يدير عينيه في محجريها، كمن داهمه مس مفاجئ، وفي غمرة جنون الحذر تسلل همس صارخ إلى سريرته:

-         "  يا إلهي من ينتشلني من هذا القهر الظالم؟"

      منذ وقت، ليس بقصير، يمتد إلى مطلع الاستقلال، تشابكت غيوم حاقدة، وبسطت رمادها القاتم على امتداد الأفق الممنوع، وافتعلت صواعق رعدية أحرقت مشروع وعي الذات الحرة، واختلقت الوسواس القهري، وعزلت الجيل الغاضب، صادره طيش الاستحواذ المستبد، وقيدته أغلال الخيبة المسمومة، لتمنح شرعية الروابط المحرمة المختفية. رغم عدوانية القدر القاسي لم يفتر حسه بالانتماء إلى من يرفضون النسيان، بحذر شديد ظل المقهور جامدا، أثلج انفعاله، فبات جثة هامدة، لكن منقبضة الصدر، لأن داخل ذاكرته تقبع أشياء وأحلام محظورة حتى في النوم، ولأنه احترف عذاب الوفاء، واستلذ حرقة المبدأ، اغترب عن ذاته، وأصر على المغامرة في واقع متخيل.
     بصعوبة تزحف الثواني، كمن خارت قواه، لا تكتمل دوراتها حتى يكاد يشل حسه، ويفقد الشعور باللحظة والحياة. تمر ثانية، فثوان، دقيقة، فدقائق، ثم ساعة، فساعات مترنحة، كالسكير الثمل، بالكاد تجتر خطواتها، كأنها تتعمد اللامبالاة لتورطه في غلطة الإغراء.. النوم هارب، ودون جدوى يحاول اللحاق به، والليل لم ينتصف بعد، بانفعال حاد ثارة، وبهدوء ساكن تارة أخرى، يتقلب في فراشه، يمينا ويسارا، ينكمش، ويتمدد، يضع الوسادة على رأسه حينا، ويتوسدها حينا، ويضغط عليها بين فخذيه حينا آخر.. تتكرر العملية مرات ومرات.. يشتد ضيقه، وبمرارة يزدرد ريقه، وعيناه ترتعشان وسط السواد المخيف، وبأنامل إحدى يديه يتلمس جبينه، وبعصبية حادة يعتصر جبهته بسبابته وإبهامه، لأن أشياء تورقه داخل رأسه المحاصر في الظلام، يشتد نفوره، وبتذمر عنيف يرمي بالوسادة بعيدا في فراغ الظلمة.
      بوهن متعمد يتجاوز الليل منتصفه، مرت الدقائق كأنها ساعات، والساعة كأنها عاما، يتحسس صدره كأنه يحاول أن يبطل مفعول لغم يتسابق مع العد العكسي لينفجر. ينهض، يجلس، يقف، يخطو بعض أمتار، ذهابا وإيابا، في حدود مساحة اللغز الحزين، لقد وقع المنهوك تحت سيطرة عدو مارد لا يرحم، قيد إرادته ولا مجال للهروب، تلاحقت أنفاسه، وتأججت النيران الحارقة في صدره، وأبت أن تخمد، فتاهت نظراته في سراب حالك لا نهاية له؛ أخذته ذاكرته في رحلة داخل زمن مضى، وعيناه المتعبتان تسبحان في الفراغ الدامس، تترصدان الاستقرار الفردوسي، فارتد إلى السابق من العمر، يستحضره بحنين باسم، وراحت مخيلته تداعب صورا من الزمن المسلوب، فأعاد تلوينها، في هدوء وحدته، بجرأة وهمية، ليثير عواطف الحسناء الفاجرة، التي يعشقها بنزاهة واضحة إلى درجة الشك في سلامة عقله، رغم خيانتها للأعراف، وانجذابها إلى آهات النسيان في سرير الهوان والدعارة السياسية. حاول في رحلته الخيالية أن يتجاوز الواقع الساقط، إلى حد يصعب التصديق، ظل منبطحا في مكانه شبه ميت، إلا فكره، كان يهذي بكلمات عميقة الغور، لا يسمعها غيره، ينطقها بغبن ميلودرامي متقطع، ونشوة بطولة وهمية، يرثي بها واقعه المثخن بالمرارة، أخفها الإبعاد القصري إلى المهجر، وأرحمها عذاب الزنزانة، وأعنفها الغربة داخل الوطن، وأقهرها اغتيال الذاكرة!

-         " الماضي لا يتغير، والحاضر أصبح في خبر كان، والمستقبل قد حل منذ فترة!"

      صدى همس سرى في سكون الليل، اغتصب أذنيه، واحتل فكره، فتخلخلت الذاكرة، وتمزق الخيال، واندحرت الشرارة، وتخلصت الكلمات من ضعفها،  وتشبثت بدلالة معانيها، فعم الاضطراب الذي يدمر كل يقين، وتعمق عنده الإحساس بالضياع القاتل، وفي لحظة الانكسار، تملكه الإعجاب المحتشم لانتفاضة شيطانه الوفي، الذي اقتلعه من الواقع الكاذب، وبإعياء شديد اندفعت عيناه زائغتين وراء إغراءات الخائنة الماجنة، فضمه القلق، بكل جنون، إلى صدره الشائك، بعد أن تناساه لبرهة حالمة.. لحظات ثقيلة، تزحف ببطء ممل، الذهن شارد، والجسد مرهق، لكن بين ضلوعه عناد صلب، فجر فيه قوة الاندفاع ورغبة الخلاص..

-         " ألم يقولوا أن عزة النفس تورث العذاب والفقر والتعاسة!؟"

       تلمس جدار الظلام، صادفت أنامله زرا، فضغط عليه ليغمر المكان نور باهت، زاد معاناة في الفراغ الأسود، وبصعوبة مؤلمة فتح عينيه، بأجفان مثقلة بالظلمة، الألوان تتماوج  باهتة في الفضاء الداكن، وشيئا فشيئا تجسدت أمامه لوحات واضحة من العنف اليومي، وترامت إليه أصوات صماء، وأصداء صيحات الاستغاثة متحشرجة، مبحوحة، محرومة، مغتصبة، وزفرات حارة تطلق نيرانها في كل اتجاه..

(آه...........!)
(آه...........!)
(آه يا زمن العار!)

      ارتعشت مفاصله من الخفايا المكتومة في زمن التحايل الماكر، جيل الأكلة السريعة، والشذوذ الحاد، حياة مغلفة بالشبهات، تغويها الأحاسيس العابرة، يحتكرها فراغ الفكر، ويثير فيها شراهة الجو.. كل شيء محتمل الوقوع عند الغيبوبة، ترتكب الجريمة، وتسحق الأرواح ببساطة وجنون، ولو من أجل لا شيء!

-         "أهي عبثية القدر أم همجية النفوس الضالة؟"

      تقف العين حائرة عند عتمة الجريمة، دائمة الحزن والتفكير والاندهاش إلى ما وراء حدود العقل، تواقة إلى فتق نسيج هذه الوحشية الواضحة بين هؤلاء الذين استفردت بهم الرغبات العابرة، وتحايلوا على أنفسهم واستدرجوها إلى الظلام المعقد، يمارسون العادة السرية، ويرمقون بشماتة حقيرة دماء كرامتهم تنساب عبر ممرات ضيقة وواسعة، ودروب داكنة في عز النهار، وبعدها يسجن المشبوه المتيم، ويسرح المجرم المتبني، ويمنع لأي محظور أن يتجاوز صمت الظلام، وتستهوينا لعبة الورق، ومضغ الكلام، والتودد الزائف، فيغمرنا الشرف الماجن، ويقسو القلب بالخطايا والنزوات الرخيصة، فقط في جلسات مهربة تخرج الأسرار المخبأة عبر المواويل المورقة لتفضح الفاضلة العاهرة، وعندما تتعاهد الكرامة مع المروءة تتحول إلى طريدة العدالة، فيضيع الشرف، ويسقط من الذاكرة وسط الصخب المفتعل في الواقع الرتيب.
      انصرمت ساعات رهيبة، لم يغمض له جفن، أعياه الشرود، أتعبته المطاردة، واقتحمته أغنية الخضوع السلبي والاستسلام الذليل، فأخذ يتثاءب بقوة عصيبة إلى درجة الإغماء الخادع، وقبيل الصباح اشتدت واستعصت عليه اللحظات التي تتجاذب بين اليأس والأمل، ولأنه عنيد متمرد، حمل رأسه المثقل بالحسرة اللاذعة والجراح الأليمة، وأقر منازلة القدر القاسي في زمن الغدر المكشوف، وزج بنفسه المغلولة داخل فوضى الزحام ليفضح ما طمسته العلاقات المحرمة المختفية، وفي الأفق الممنوع تختلس الشمس أويقات ساخطة لتخترق الغيوم المتآمرة، وتعانق أبناءها المقهورين في أرض الجبناء، حتى لا يضمر حسهم النبيل.. وفي ذروة غليان حرقة التمزق النفسي احتدت الشرارة داخل رأسه، واندلعت النيران في جسده، ومارس اللهيب طقوس ثورة الحرية في النفوس المقهورة، وكانت بداية لاحتمالات لا نهائية!

 محمد رياضي
البيضاء، يناير 2012

Tuesday, December 20, 2011

2 !الدراما التلفزيونية المغربية

الإهداء:
إلى روح المخرج أحمد بوعناني، محمد الركاب، أحمد المسناوي، محمد عصفور،.. وتحية تقدير إلى الإخراج الراقي والمسؤول، إلى المخرج الإنسان، الفنان المبدع الجيلالي فرحاتي، عبد الرحمان التازي، فريدة بليزيد، كمال كمال، محمد إسماعيل، عبد الكريم الدرقاوي، جاهدي عزيز، جمال بالمجدوب، جمال السويسي، نور الدين لخماري، محمد مفتكر،..وغيرهم من المبدعين، رغم التهميش والإبعاد عن الشاشة، يساهمون، بعناء وجهد، في تكوين الشخصية الإخراجية المغربية الراقية.

أوراق:2
الدراما التلفزيونية المغربية  !
الورقة 2:  الإخراج: ثقافة، وعي، خيال، رؤية، إبداع، ومسؤولية!

           بات الفيلم التلفزيوني، كالسينمائي، شريطة احترام خصوصية المشهد البيتي والعائلي، إحدى وسائل التعبير الفكري والفلسفي والترفيهي. أتكلم عن الفيلم وليس التمثيلية التلفزيونية، دراما يتمازج فيها الخيال بالواقع، تخاطب، بأسلوب مرئي، ذهنية وأحاسيس المتلقي، العادي والمثقف والناقد؛ جمهور متباين المستويات والنوعيات والأذواق والثقافات، ومتفاوت قدرات الفهم والوعي، (أقصد البقية من المشاهدين (أقل من 50%) الذين لم يُنفوا بعد، بأعينهم وقلوبهم وعقولهم، إلى الفضائيات الغربية وبعض العربية)،  جمهور مزعج وغامض،  تلقائي لكن ليس بساذج، جمهور وطني حتى الموت، يضحي، يسامح، يصالح، يشجع، يغار، وينفر. وكم هي عديدة الأفلام الدرامية التي قدمها التلفزيون المغربي، منذ بدء مبادرة تشجيع المنتوج الوطني، مع مطلع القرن الحالي، وتفاوتت القيمة الفنية من فيلم لآخر، بين السيناريو المصور التافه، والإخراج الهاوي البسيط، وندرة الإخراج الاحترافي المركب. بطبيعة الحال قليلة هي الأفلام المغربية المقنعة بحبكتها الدرامية، والمثيرة بسحر جمالية الصورة، وبراعة بلاغة التصوير الإيحائي، ذات الحمولة الفكرية والفلسفية؛ فغالبية الأفلام سطحية وتافهة، خالية من أي جهد إبداعي، تفتقر إلى جمالية الصورة، وقوة المعالجة الدرامية، تنتمي إلى تفاهة السرد المرئي، مما يدفعنا إلى التساؤل عن السبب: هل ضعف النص الدرامي المكتوب؟ أم غياب الأسلوب الإخراجي؟ أم بسبب فوضى التراضي والزبونية التي طالت الإخراج والإنتاج؟ أم اللامبالاة القائمين على الدراما التلفزيونية؟  أم لميوعة الذوق الفني لدى المشاهد؟ أم أن هناك عوامل أخرى تساهم في إعاقة التفاعل بين المتلقي والدراما التلفزيونية الوطنية؟
           لكن، بعضا، من أصحاب تفاهة السرد المرئي، يُحسبون، لوقاحة وفوضوية المجال، على الإخراج، يصرون على تحميل المسؤولية لضعف السيناريو، وإذا قبلنا بهذا الاتهام المتسلط، لماذا يقبل هذا المخرج "النابغة" بسيناريو يعاني في الأساس من خلل في تقنية المعالجة الدرامية؟ وهل يتوقف الإخراج عند، هذا العبقري، فقط في تصوير ما جاء في النص الأصلي؟ أم عليه تقويمه إلى مستوى ما يثير البصر والبصيرة؟

ما الإخراج؟
           الإخراج فن وإنجاز سمعي بصري، يكشف مدى الجهد الفني والحس الإبداعي للمخرج في كيفية المعالجة الدرامية، وبلاغة تعبيرية التصوير، بدلالاتها المباشرة وغير المباشرة؛ إبداع مسؤول يعكس رؤية فكرية وأسلوب فني خاص بالمخرج، يرتبط بشكل المعالجة أكثر من ارتباطه بالمضمون؛ إنه يعيد إنتاج السيناريو، بإعادة سياق التجربة المكتوبة على الورق إلى تجربة فنية سمعية بصرية على الشاشة، تعتمد المخيلة الجمالية والبلاغية، ويتفاعل معها المتلقي بجوارحه وكيانه. وتتجلى جاذبية الفيلم في أسلوب المعالجة أكثر ما بالقصة، كيف تحكى؟ مما يؤكد قوة فاعلية تأثير اللغة المرئية في المتلقي، فالمشاهد يمكن أن يتجاوب مع فيلم  وينفر من آخر، بالرغم تناولهما نفس القصة، فالإثارة وإمكانية التواصل يخلقها أسلوب المعالجة التصويرية، الجامع بين الإقناع، والإثارة، والجاذبية والإمتاع، مما يقوي مقولة "الفيلم ليس مشهدا، إنه أسلوب"؛ ولا أشير إلى التصوير البانورامي، وتسجيل المشاهد والأحداث، كما كان الحال عند ظهور آلة التصوير مع الأخوين لوميير، قبل أكثر من قرن، مجرد مشاهد تسجيلية  خالية من أي إبداع فني، وإنما  أقصد اللغة  المرئية  المشحونة بذاتية وموضوعية المخرج، تعكس همومه، هواجسه، وأحلامه. فالإبداع الفني للفيلم، في وقتنا الراهن، يقاس بأسلوب المعالجة وبلاغة الصورة، التي تجاوزت الوظيفة التقليدية، حيث أصبحت تعتمد  على الطاقة الخيالية والتخييلية للمخرج، مهما اختلفت النوعية الفيلمية، من واقعي، خيالي، تاريخي، وفانتازي؛ باتت "تقاس قيمة الصورة بمدى هالتها التخييلية"، على حد تعبير باشلار غاستون/ Gaston Bachelard ، والمخرج هو مبدع هالتها الفنية.

ما المخرج؟
           المخرج، فنان يتوفر على طاقة خيالية في الإبداع وخلق الأثر النفسي، فنان يمتلك مؤهلات فكرية، ويتمتع بمهارات إبداعية، ويكتسب ثقافة فنية متنوعة، ويتميز بوعي عميق بذاته ومسؤوليته الفنية، ويؤمن برسالته الاجتماعية والإنسانية. فنان مدرك لدوره  الخلاق في إبداع المشهد المعبر، وخلق جمالية اللغة التصويرية، كالمخرج المبدع مصطفى العقاد، صلاح أبو سيف، يوسف شاهين، نجدت إسماعيل آنزور، علي حاثم..؛ مخرجون متمكنون من استخدام فنية التأثير وبلاغة التصوير؛ فنانون موهوبون بالفطرة، مثقفون بالطموح، ومبدعون بالتكوين المتجدد، وخبرة الممارسة في إبداع الرؤية الحسية البصرية. طاقات إبداعية، وقناعات  فكرية وفنية في اتخاذ الموقف، وتدقيق الاختيار، وتحديد الهدف الفني، وتسخير الخبرة المهنية لتمرير الفكرة بالشكل البصري الملائم لطبيعة النص المختار. يقول المخرج البريطاني سام ماندس/ Sam Mendes:

« Les films qui m’ont influencé sont ceux qui racontent leur histoire plus par l’image que par les mots. »
         
  المخرج وحسن الاختيارات:
          المخرج فنان يروي سيناريو قصة بلغة البصر، ولكي ينجح في الخلق والإبداع في منح الصورة لغة تعبيرية والتأثير في دواخل المتلقي، العاطفية والعقلية، يستوجب عليه أولا أن يحسن اختيار النص المرشح ليتحول إلى فيلم، وثانيا اختيار أسلوب المعالجة الملائم لطبيعة السيناريو المختار، وثالثا اختيار طاقم عمل مناسب لطبيعة السيناريو، فكلما كان المخرج واعيا بدوره الفني والإبداعي، كلما كان دقيقا في اختيار طاقم عمله، وفي اختيار التقنيات المسخرة في التأثير وخلق التواصل الروحي والفكري مع المتلقي. وتمر عملية إنجاز الفيلم عبر ثلاث مراحل متلاحقة ومتكاملة، بدء من مرحلة ما قبل الإنتاج، ما قبل التصوير، Preproduction ، تليها مرحلة الإنتاج / مرحلة التصوير Production ، ثم مرحلة ما بعد التصوير، مرحلة المونتاج Postproduction. وكل مرحلة مستقلة بذاتها، لكنها متكاملة في تتابع إنجاز  العمل الفيلمي. فنجاح الفيلم يرتكز على اختيار نص جيد، وفهم أفكاره، وتحديد الرؤية الدرامية، وضبط توجيه الممثلين، وإدارة التصوير، وهندسة الصوت، وتصميم المناظر، والتوظيف الدرامي للماكياج، والزمان، والمكان، والموسيقى، والإضاءة، ومدى الذكاء في الاستعانة، عند  الضرورة الدرامية، بالمؤثرات الصوتية والمرئية المناسبة، وأيضا التدقيق في اختيار المونتاج السليم المساير للرؤية الدرامية فنيا وفكريا، باعتباره، المونتاج،  البناء اللغوي لتتابع وتماسك المشاهد، يقول في ذلك  المخرج الروسي  في . آي. بودوفكين " إن أساس فن الفيلم هو المونتاج" ، ويؤكد المخرج الفرنسي السويسري  جون لوك جودار/ Jean-Luc Godard:
  
« Le sens de mes films vient toujours au montage, quoi qu’il arrive. »

          فحسن الاختيار أساسي، ضروري، ودقيق، تتحكم فيه قناعات المخرج الذاتية والموضوعية، بدء من اختيار النص وفهمه، واستيعاب أبعاد شخصياته، ومضامينه وأفكاره، تم تحويله إلى سيناريو الإخراج التنفيذي، سيناريو تقني يعتمده المخرج في مرحلة التصوير، Découpage؛  العملية التي تظهر براعة حرفية المخرج، أو لنقل أسلوبه في تصميم وتحديد حجم اللقطات، زوايا التصوير، وحركات الكاميرا، والمونتاج. ولكي يضمن السيطرة الكاملة على كل صغيرة وكبيرة أثناء انجاز العمل، عبر مراحله الثلاثة، فالمخرج في حاجة إلى مساعد مخرج أول وأكثر، وملاحظ أو مراقب السيناريو تحت إشرافه (تخصص مهني غير موجود في واقع الإنتاج الدرامي التلفزيوني). خلية عمل متكاملة كالجسد الواحد، وإذا أهمل أي عضو تداعى سائر الجسد، وأي خلل جزئي في الفيلم  يؤدي إلى الغموض ونفور المشاهد منه. يقول المخرج الأمريكي سبايك جونز/ Spike Jonze:

 
« En tant que réalisateur, vous devez être comme un chien de garde sur le tournage et vous devez être capable de garder à l’esprit la totalité du scénario. Si vous manquez un détail, c’est foutu. »

مسؤولية الاختيار والعرض:
        هل تتوفر الأعمال الدرامية التلفزيونية المغربية على مصداقية المعالجة الدرامية، وجاذبية السرد التصويري الإيحائي والمؤثر؟ بطبيعة الحال، يستحي المشاهد أن يرد بالإيجاب المطلق على هذا السؤال، فغالبية الأعمال، التي عرضت على الشاشة المغربية، تفتقد إلى مصداقية المعالجة الدرامية والمقومات الفنية الأساسية في خلق متعة المشاهدة، فيجد المشاهد المغربي، قبل غيره، صعوبة في التواصل معها، بكيانه العاطفي والذهني، كأنها لم تنتجها مخيلة مخرج. وليس لنا أن نلوم السيناريو، ونحمله وزر ضعف وأخطاء وفشل من يفتقد طاقة الإبداع، المرتبطة بالمستوى الفكري والثقافي، فما دام أن المخرج اختار النص الأصلي، وعمل على تحويله إلى فيلم، فالسيناريو بريء من التهم التي تُسقط  عليه عند عرضه، فالمسؤول الرئيسي هو المخرج. نعم هو المخرج، فتكوينه الأكاديمي يرتبط بدراسة السيناريو والحوار وإدارة الممثل، فلماذا يقبل النص إن كان يعاني من خلل ما؟ وما دوره  كمخرج؟ هل يتوقف فقط عند تصوير ما جاء في النص الأصلي؟ أم أن هناك معالجة فنية ورؤية بلاغية تخص المخرج؟   فطبيعة علاقة السيناريو والإخراج تفرضها حتمية ارتباط الواحد بالآخر، فالسيناريو هو الأصل المكتوب، والإخراج هو الهيئة البصرية للنص المكتوب، ارتباط وجودي تكاملي، فالأول مرتبط برؤية وأسلوب وإبداع الثاني، والثاني مرتبط بطبيعة مادة الأول. وهذا لا يعني أن الإخراج مهنة سهلة، تتوقف فقط عند  تصوير ما جاء في النص المكتوب الأصلي، وإنما إبداع بلاغي مرئي، تحدده الرؤية الإخراجية، وتساهم في تحقيقه اختصاصات فنية وتقنية تحت إشراف مخرج مسؤول، فنان مبدع، متمكن، وإنسان يؤمن بقناعاته الفكرية والفنية. يقول المخرج الأمريكي كورتيس هانسونCurtis Hanson/  :

 « Vous pouvez l’habiller mais on voit toujours qu’un film est bon quand le scénario l’est. »
         
         إذن علينا أن نسلم بحقيقة ثابتة إن الإخراج عملية تحويل النص المكتوب الجيد إلى عرض بصري جيد، لغة بصرية تجمع بين الإحساس الفني والحرفية التقنية، تعكس رؤية درامية محددة، ملائمة لطبيعة النص، ويثقن صناعتها بصريا فنان، موهوب، مثقف، طموح، جريء ومسؤول، على دراية بتقنيات الكتابة والمعالجة الدرامية، وقادر على ترجمة المشهد المكتوب إلى بلاغة فنية سمعية بصرية مؤثرة، بلغة جمالية مفعمة بالحركة والحياة وإشارات إيحائية، ذات بعد اجتماعي وإنساني، يتفاعل معها المشاهد، نفسيا وفكريا، مهما كانت جنسيته. يقول المخرج البريطاني شارلي شابلن/ Charlie Chaplin :

« Ce n’est pas la réalité qui compte dans un film mais ce que l’imagination peut en faire »

فاقد الشيء لا يعطيه:
         الفيلم هو الإخراج، والإخراج  هو أسلوب خاص بالمخرج، والأسلوب ليس قالبا حرفيا جامدا، بل إنه موقف فكري، وحس جمالي، وفن بلاغي إيحائي يؤثث الصورة بجزئياتها المكونة للتركيبة والتتابع ألمشهدي، يتماشى والرؤية الفكرية والفلسفية للمخرج.  ومن يفتقد الثقافة الفنية، والمهارة الخيالية، والخبرة المهنية، يفتقر إلى القدرة على إبداع البلاغة والأثر الفني، وبالتالي لا يتفاعل المشاهد مع تفاهته عند عرضها على الشاشة، وبعدها يتحامل هذا الشخص البئيس، فكريا وفنيا، على السيناريو، ويحمله مسؤولية سلبياته الفنية، والسيناريو، في هذه الحالة، بريء من ذلك براءة الذئب من دم يوسف. ومن وقاحة بعض بؤساء الفكر والثقافة، الذين تشفق عليهم وبسخاء، في أحايين متعددة، الشاشة المغربية، يختفون وراء أزمة السيناريو، وهي أزمة عالمية ولا تتوقف على المغرب وحده، يدعون بأنهم يعانون كثيرا في إيجاد النص الجيد، ومنهم من يتباهى بعناء السفر وأخذ الفكرة  إلى فرنسا، لكي يخطط له أحد أبناء موليير سيناريو خاصا ببيئة الحياة المغربية، ثم يعود إلى المغرب لتصويره. يا لبلادة التفكير! إن كانت بهذه البساطة، أليس من الأحسن أن  يتصل السيناريست نفسه، صاحب الفكرة، مباشرة بمخرج مولييري، أكيد سيوصل فكرته أكثر من المخرج الوسيط، الفقير فكريا، مع الاحترام والتقدير لمخرجين مغاربة لهم بصمتهم الإبداعية في التلفزيون والسينما، ذكرت بعضهم في إهداء المقدمة. فبالإضافة إلى الموهبة، والخبرة الحرفية، هناك الضمير المهني الذي يجب أن يَتَخلق به المخرج في ممارسته الإبداعية، وعندما تُفتقد الموهبة، ويُستغنى عن الاحترام الذاتي شيء طبيعي أن تأتي أعمال الفكر الفقير، سطحية وتافهة، فنيا وروحيا وفكريا، ومملة بصريا، ويبررون تفاهتهم بأزمة السيناريو، أو بضعف الإمكانيات المادية في العملية الإنتاجية. وأنا أقول، ولست وحدي، فاقد الشيء لا يعطيه، ولو في بساطة الأبيض والأسود؛ وأي بليد هذا يدعي أن تعبيرية الأبيض والأسود سهلة التحقيق؟
          نعم، هناك أعمال مغربية تفاعل معها الجمهور لمخرجين متمكنين، لا يحضون بعدالة حق دعم المنتوج الوطني، ورغم التهميش والظروف الصعبة، يعملون ما باستطاعتهم للمساهمة في تكوين وتثبيت معالم الشخصية الإخراجية المغربية، وما يجمع هؤلاء المخرجون،  الموهبة، الثقافة، الإبداع، وأيضا التكوين المتجدد، وخبرة الممارسة، والأهم الجرأة  واحترام الذات والجمهور. يتقنون، رغم اختلاف تكوينهم الدراسي، تقنية الكتابة، وفنية المعالجة الدرامية، وإدارة التصوير، ولغة التوليف.. مهارات تقنية وفنية تستقل بخصوصياتها، والمخرج، الفنان المسؤول، ملم بها، ويقدر أهميتها، لذلك يتحمل مسؤولية الإشراف على الفريق الفني والتقني في عملية انجاز الإبداع الفيلمي.
          على المتطفل على الإخراج، من القدامى والجدد، أن يدرك أن العمل عند عرضه على الجمهور تجاوز مسؤولية السيناريست، وعليه أن لا يتناسى أن عملية إنجاز فيلم، من البداية إلى النهاية، تتم تحت إشراف المخرج، في حدود الإمكانات المادية الممنوحة، لكن هذا لا يبرر ضعف الجانب الإبداعي، أو أي خلل في السيناريو الأصلي عند عرض الفيلم على الشاشة، فالمخرج هو المسؤول الرئيسي عن الشكل والمضمون، مهما اختلفت المواقف من المضمون والأفكار، يقول الكاتب الأمريكي آلمر رايس "إن سيطرة الفنان على مادته هي التي تجعل منه فنانا"، عدا ذلك إنه هراء، وتهافت المتطفلين على الإخراج والفن عموما.

سؤال يطرح نفسه:
          ماذا عن مسؤولية الإنتاج في أزمة الإبداع الفيلمي المغربي؟
                                                                                 محمد رياضي
                                                                            البيضاء، دجنبر 2011














     
 
         

Wednesday, September 28, 2011

EDGE OF DESPAIR! !حافة اليأس

   إهداء: إلى أرواح جرائم الاختفاء القسري، ضحايا غياهب الظلم القاسي،
وتحية إلى الذين فضلوا المعاناة على موت الإحساس الوطني في عهد القهر الصعب،
وفي عهد المصالحة، رفضوا الاستغناء على حساب بطولات وهمية.

حافة اليأس!

بيت بسيط، يملأ فضاءه هدير ناعورة الحرمان، أركانه معبقة برائحة الجوع، لفحت حرارة العوز صباغة الجدران وجلد ساكنيه. الفقر يأسر العائلة، ويطبق على أنفاسها، يخنقها بقبضته الخشنة، ليستدرج أفرادها إلى المساومة والخطيئة؛ يمتعض بعضهم من كفره، وظلم ما يقترفه في حقهم، فيعقد العزم على ممارسة تسلطه القاسي، ويسلبهم، بلا رحمة، أمال الانفلات من مخالبه المعقوفة.

 عبد الله، أحد أبنائها، قليل الشكوى وطباعه هادئة، من حين لآخر،  تخونه مسحة حزن، تفضح ما يعتلج في صدره، ويكابر كي لا يفقد هدوءه، ويؤسر اسمه في سجل المغضوب عليهم؛ سجل أحلام اليقظة، يضم روايات ألف ليلة وليلة غريبة الأطوار، ضحاياها لم تستلطفهم أهواء شهريار، فدبرت لهم حيلا، يصعب تخيلها.
في لحظات السكون والمنام، وقبيل زغرودة ديكه العجيب، تُختطف أحلام مزعجة، وتجهض في جحور مجهولة، وأمال بسيطة توأد في مهود موقوتة، قبل بزوغ أصباح الليالي.. وتنوعت الحكايات.. قيل.. وقيل .. وقيل..
وقيل.. توصل شاب في مقتبل العمر، على حين غرة منه، بدعوة للالتحاق بإحدى الإدارات المركزية في العاصمة الرباط،  غمرت الشاب الفرحة قلبه بالوظيفة التي هوت عليه فجأة، من حيت لا يدري، بعد عناد شاق، وابتهجت أسارير أسرته بالهبة السماوية.
في اليوم الموالي، بحرارة حضن أهله، وبسعادة عارمة ودع الواحد تلو الواحد، وتوجه إلى محطة الحافلات المتواجدة آنذاك في درب بن جدية، وسط الغولة البيضاء؛ جحيم فوضى وتلوث خانق، ضجيج محركات الحافلات، عويل الباعة، أنين التسول الممتهن، إشارات عيون محترفي رياضة الأصابع، وصياح الوسطاء، وجوه مقهورة، تتطفل على المسافرين، عندما يستوقفك أحدهم، لا تدري أهو وسيط أم لص سفاح، تغزوك نظرات تلمع فيها لهفة الاقتناص، واختلاس عرق الفقير واليتيم والأرملة، فيلفحك شعور الاحتراس، كأنك أمام أخطر المجرمين.
ساق أحدهم الشاب إلى حافلة متوجهة إلى الرباط، مؤكدا له، بقسم اليمين، أنها ستغادر المحطة في ثوان معدودة؛ اختار الشاب مقعدا داخل الحافلة، وقبل أن تتحرك العجلات بنصف ساعة وأكثر، رفرفت به تخيلاته بعيدا، طارت به إلى الفضاء الفسيح، عاش حالة استرخاء سعيدة في زمن لم يأت بعد، رأى نفسه أسعد شاب في العالم، وفي الطريق صاح ديك شهريار ، هذه المرة، في عز النهار،  فارتطمت أحلام الشاب على الأرض، واختفى عن الأنظار..
بعد أيام، أشاعت أطياف شهود عيان قصصا عن الشاب المختفي؛ حكايات تختلف في الوصف وطريقة ألحكي، كل راو تفنن في سردها بهاجس خاص، لكن كل الروايات تتفق في الوقائع والاختفاء، مفادها أن حاجزا أمنيا أوقف الحافلة، صعد شخصان عديما الإحساس، تفحصا بنظرات آلية وجوه الركاب؛ نظرات مقطبة الجبين تخترق محاجر عيون الركاب كأنها ماسحة الضوء تبحث عن سر هارب؛ ارتعشت مفاصل الحافلة، وانتاب المسافرين الارتباك والخوف، وساد صمت ثقيل داخل الحافلة، وتسارعت دقات قلوب الركاب، تنبض وكأنها قلب واحد، ونظراتهم تستقصي حل اللغز الغامض. توقفت العيون الماسحة عند الحالم، الذي بدا من الواضح أنه لا يملك فكرة عما يحصل، تقدم  إليه الآليان وطلب منه أحدهما بطاقته، بسرعة ودون تردد، والابتسامة تعلو محياه، مدها الشاب إليه، رمق صاحبه بنظرة، وأمراه بالنزول. وببراءة طفل ساذج صار بينهما، لا يدري ما ينتظره، ربما اعتقد حينها أن هناك حفلا رسميا احتفاء بقدوم الموظف الجديد. وبتثاقل تحركت الحافلة، وهي تحتبس في صدرها شحنة من الخوف، وبعد لحيظات انفرجت الطريق أمامها، وتعجلت هاربة من صاعقة وشيكة الانفجار؛ ومنذ ذلك الحين، لم يظهر للحالم  أثر.. وتنوعت الحكايات..
منذ صغره، كان عبد الله يحب القراءة الحرة، كنا نتقاسم لهفة القراءة، تلقائيا، ودون تأثير أحد، تعلم لغة المستعمر من قصص مصورة رخيصة كروديو، كيوي، زومبلا.. كان يستعيرها من بائع "عباد الشمس" القريب من البيت.. بعد أعوام، لم تعد تروي ظمأه، فأقبل بنهم على ابتلاع القصص الفرنسية بغية إتقان لغة موليير، وجد فيها ضالته، وتميزه اللغوي، لم يمل من التكرار على مسامعي:
"إنها لغة العصر، يا صديقي محمد، لسان الحاضر والمستقبل..  مكّنت أتباعها من زمام الأمور بعد رحيل آخر جنود بونابارت، فجعلوها معيارا لاجتياز المعابر، واختراق الأبواب.."
"إنك تهدي..اللغة لا علاقة لها بذلك.."
بالنسبة له، لغة موليير وسيلة ومفتاح الفرج، كل الفروج، فتعود أن يفكر بها، ويخطط بها خواطره ومناجاته.. وينسج ملامح الحبيبة التي لم يلتق بها أبدا..
خلال سنوات الدراسة، لفه شعور التفوق والامتياز، وبحماس عارم عاند اليأس لينال جوازات المرور السنوية،  لعله يتمكن من تخليص إخوته من سطوة الفقر، غالبيتهم عصافير صغيرة، تزقزق وترمق فراغ وكرها البئيس، تترقب معاش الوالد، نسيم عابر،  يلطف الأجواء، ويخفف من قيظ الحرمان، خلال فصل ربيعي مضطرب الأجواء، يدوم أسبوعا واحدا كل ثلاثة أشهر. وتستمر المعاناة، ويزداد الفقر تعنتا وبطشا، وتزحف الديون، وتتراكم ككثبان رملية، تبتلع الأخضر واليابس، فشمرت الوالدة عن ساعديها لتصد التصحر عن صغارها، رضيت المسكينة بالقسمة والنصيب، وتعايشت مع البؤس الشرس، رغم مرض السكري الذي ينخر دمها رويدا رويدا، وغالبا ما كانت تردد علينا، وبقناعة من استسلمت لحالها، وهي توقع ابتسامة باهتة على ثغرها:
- "لا تنصاعا لليأس، جاهدا واجتهدا لتمتطيا صهوة الشهادة الكبرى!!"
 براءتنا كانت أصلب من الجوع، فلازمنا الفقر دون تدمر واستياء، وسارت السنون مسرعة، ونما وعينا بأبعاد الكلمات، وقناعة الموقف، فتوغلت فينا هموم الواقع المتعدد الأقنعة، الممتلئ بالصراخ، والهيجان، والزفرات الملتهبة..
في الباكلوريا، مع بداية الثمانينات، تأزمت أوضاعه الصحية في فترات متتالية، أثرت سلبا على امتحانات الدورة الأولى والثانية، لم يستسغ رسوبه، فخمدت فيه رغبة التحدي، وبدت حياته لا معنى لها، لكن مضايقة التصحر حتم عليه منازلة القدر القاسي، وبات من الضروري خوض غمار مباريات، أعلن عنها وقتها على صفحات بعض الجرائد الوطنية لولوج إحدى الوزارات، شاءت الصدف أن تكون وزارة الرعب، سيدة الوزارات الرهيبة. اضطرب وتحرك قلبه للإعلان، واجتاحته ثقة عمياء بالنجاح وكسب الرهان، فأكثر المواد بالفرنسية، وعربيته مقبولة، وثقافته واسعة مقارنة بأقرانه..
 تحقق المبتغى، وتم قبوله في مدرسة التكوين التابعة للوزارة الحديدية، ومن أجل المصاريف الأولية،  استطاع الوالدان أن ينتزعا من عمق الفاقة بعض الدراهم، لاستثمارها في هذا المشروع، لعله يثمر، ويخفف من القهر الصعب في المستقبل القريب، يطول انتظاره عامين!
في فصله الدراسي الجديد، فوجئ عبد الله ببعض زملاء الدراسة، المستويات السابقة، وجوه ألفت الخمول والكسل، تعرفه جيدا، وتخجل منه، ومنها من تمقته غيرة لتفوقه، لا تجيد العربية وبالأحرى الفرنسية، لكنها تؤمن بالخضوع والتملق، ثقافة جيل السياسة الجديدة، وقد استطاعت أن تسلب البساط من تحت مؤخرات مستحقيها في ظروف خفية؛ تبادر إلى ذهنه السؤال، ولم ينبش عن الجواب، ليتفادى نعته بالحاسد الحقود، إيمانا منه أن الأيام كفيلة بغربلة النبهاء منهم،  وبنبرة ازدراء قال:
-         "لا أعتقد أنهم سيذهبون بعيدا."
وبجفاء رددت عليه:
-         "كل شيء ممكن في سوق المقايضة !"
وتمضي الشهور، لم تستطع الحياة غوايته، وإزاغته عن حلمه المعتقل في زمن لم يحن بعد، فكره مشغول بمحاولة التسلل إلى المستقبل القريب، بعد عامين؛ نسي الجوع، وأطلق عنان خياله يسابق الزمن؛ من حين لآخر، ترتطم سذاجته على جدار الواقع المعقد، وتندثر بكاملها، لكن وطأة الرغبة الجامحة تجمع أشلاء أحلامه، ويرممها بنفس جديد، قلبه ينبض بالعناد، مهووس ب "متى تنتهي السنتان؟"، مدة التكوين، ويقفز الحاجز، لتضمه سيدة الوزارات إلى أحضانها، وينتقم لأيام البؤس والشقاء والتصحر.
أما أنا فاخترت الإبحار في عالم شيكسبير، ونلتقي، في كل مساء، بعد العشاء، نقضي ساعات طويلة في الطريق، المجاورة لمقبرة سيدي عثمان بالبيضاء، كانت مهملة آنذاك، شبه خاوية إلا من نباح الكلاب، ومواء القطط، وهراء السكارى، وعيون ماكرة التربص في الظلام، وأشباح مثلنا، هنا وهناك، فرادى، مثنى وثلاثا.. سلمت أقدامها للطريق، تعد الخطوات ذهابا وجيئة، تشق طريق الأمل تحت أضواء مصابيح خافتة تبعث اليأس والنفور. نمشي.. نمشي.. ونتوقف تارة، ونتجادل تارة أخرى..  يطول مشينا، ويطول جدالنا، ولا نفترق إلا في الساعات الأولى من صباح اليوم التالي..
 تجربتي الجامعية شابها إرهاب مبيت،كاد أن يودي بحياتي داخل إحدى الحفر المنعزلة في أعماق الأرض، تتعانق فيها الظلمة، البرودة، الغموض، وصراخ النزلاء.. انكمشت داخل الصمت، ونفدت بجلدي، وهرولت مذعورا كالمطارد من تنين أسود مسعور من رؤيتي، حاولت ما مرة إثبات براءتي، وفي كل مرة أجد نفسي معلقا بين السماء والأرض، أنتظر من ينتشلني من مصير رهيب، أكيد، أيادي الشر تتحرك في الخفاء، وتعيق حريتي الذهنية!! وهامت بي خطواتي في اتجاهات مختلفة، أراوغ شياطين التصيد والانقضاض على الضحايا، وانصهرت في الزحام، أمارس عنادي الخفي، أبحث عن أحلامي المضطهدة..
 مع توالي الأيام، طغت أيادي الشر في الدهاليز، وانتشرت أصابع الخطيئة، فأرخت بضلالها الخانقة، ونادرا ما ألتقي بمن استعصى على الشر ترويضه، من مظهره البسيط، وسلوكه المتواضع، يتضح لملاقيه أنه محاصر في درج مكتب أحد حفدة أبي لهب،  يضرب العنف في عمقه، ولم يستسلم!
إيمانا بنصيحة الوالدة، في صمت، تحملت، أنا وصديقي عبد الله، خبث أيادي الشر، صعقاتها، ابتزازها، واستغفالها لنا؛ مع توالي حالات القهر أخذ النفور يتفاقم في دواخلنا، وتعايشنا مع استبداد القهر الصعب، فعلت قهقهاتنا، وسخرنا من الحياة، من الإنسان، من القدر، ومن آلهة كل الأزمنة..
حلت الامتحانات، وعلى عبد الله أن يجتاز المعبر الحدودي بين زمان وزمان، وكل ما يشغله كسب تأشيرة المرور، فقد علم أن من عادة مدرسة الوزارة القوية أن تعين الناجحين بأعلى النقط في المراكز التي وقعوا عليها في استماراتهم. أتذكر غبطة صديقي بالنقطة العالية التي نالها، وراح في سبات عميق، وبصعوبة أيقظته مرات، وددت إقناعه على تغيير موقفه، لكن دون جدوى، ولا يزال صدى دردشاتنا يخترق مخيلتي:
-"عليك أن تبحث في أمر التعيين، يا أخي عبد الله!"
-"أنا واثق بأنني سأعين في إحدى المراكز التي اخترتها في المدينة الأم."
-"لا تحلم، فأناملهم الخبيثة لا ترحم أمثالك! أريد أن أقول أمثالنا!"
وبحزم وثقة لا حدود لها:
-"لماذا ؟ لماذا؟ نحن لم نقترف أي إثم يذكر! لا! لا يستطيعون، فالنقطة هي المقياس، ولدي أعلى نقطة، صدقني يا أخي محمد."
-"إن حفدة أبي لهب لا يهابون الله، وخبثهم يقبر كل يقين!"
وبهدوء من يثق في نفسه:
-"أنا واثق، اسأل بنفسك لتتأكد من الأمر."
-"شيء واحد أنا متيقن منه، علي أن أشتري لك صينية من النحاس، ودزينة من الأقداح، وبراد، وشمعدان نحاسية، وطبق خبز من القصب، وخيمة، وحمار، ودفتر من الحجم الكبير.. أكيد ستحتاجه لتدوين مذكراتك!"
وباستغراب:
-"لماذا ؟"
-"فقط لأن جشعهم لا يرحم أمثالك!"
-"إنك تبالغ!"
رفض بشدة، وبعصبية أصر على موقفه، متشبع به حتى النخاع، ولا أحد يستطيع أن ينتزعه منه، إلى أن  أتى اليوم المعلوم، الذي ذكرني بوثيقة وعد بلفور المشؤوم، أتت التعيينات، التي صلبت الفرحة في عمق الإحباط القاتم، وارتسمت على وجه صديقي علائم الاستغفال، والشماتة، والغدر؛  تلعثم في قراءة التعيين، شفتاه ترتعشان، يداه ترتجفان، دقات قلبه في سباق مع لمعان البرق، وعيناه متجمدتان على الورقة، وبالضبط على الاسم الغريب، بالكاد يتمتم الحروف.. ..  ..!!! أحس بخيبة أمل تنزرع في وجدانه، كاد أن يسقط على الأرض من هول الصدمة الغادرة، تبسم في فتور، محملقا بذهول في عيني الدنيا الماكرة، مغمغما بين شفتيه:
-"إنه زمن العجائب يا صديقي الوفي!!"
وهمست في أذنه اليسرى:
-"بل إنه زمن الرذيلة يا صديقي العزيز !!"
بحثنا عن هذا الاسم الغريب في الخرائط الوطنية التي وقعت بين أيدينا، لم نعثر له على أثر، والله لم نعثر عليه! فارتأينا الذهاب إلى مصلحة الخرائط التابعة للولاية، هناك، احتجنا لمن يوجهنا، فتلقفتنا أصابع الشر، سهلت علينا المأمورية، لكن مقابل عشرة دراهم، موظف بخيل لم يرأف لحالنا، ولا لصغر سننا، انتزعها برمشة عين، ودسها في جيبه الوسخ، وهو يمدد عنقه للأعلى، راميا نظراته يمنة ويسرة، كعاهرة تتوخى الحذر من أن تضبطها دورية للشرطة؛ بعدئذ، تبين لنا، في خريطة جد مدققة، أنها نقطة ضائعة في السراب؛ جمد عبد الله في مكانه، مسلوب القدرة على الحركة، كالمصعوق بضربة كهربائية قوية، جلجلت أركانه، قذفته أيادي الشر بقسوة شرسة، فاقت رمية المنجنيق، وهبت عاصفة أثارت زوابع الألوان القاتمة، بعد لحظة، ساد المكان سكون الموت، كأن شيئا لم يقع، لتتكشف له، فيما بعد، حقيقة خيبته.
-"صديقي، إنه المنفى.. أبعدت عن العائلة، عن الأهل، عن الأصدقاء، عن الأصل.. مجبر سأرحل، يا أخي!"
-"ليس لك اختيار يا عبد الله.."
-"بعد سنتين أو ثلاث سأطلب الانتقال.."
-"ربما يسمحون لك بذلك!"
-"من حقي!"
-"حقك اغتصبوه أكثر من مرة."
-سأعود إن شاء الله!"
-"إن شاء الله!"
مرت الأيام، والأشهر، والأعوام، لم يحتمل خلالها عبد الله المكوث في المنفى الإجباري بدون ذنب اقترفه، فقام بمحاولات يائسة في المنعطفات المظلمة، التي يحتكرها عبدة الشيطان، لعله يستبصر شرخا في الفراغ الدامس،  يتسلل منه ويعود إلى البيضاء، مهما كلفه ابتزاز حراسه، استبدت به فكرة العمل بالمثل، لقد أدرك أخيرا أن لا شيء بدون مقابل، ومن حينها، لم يتوقف عن قرع الأبواب، والاستسلام لشروط سماسرتها، استغلوا سذاجته واحتياجه للدفء والاستقرار فامتصوا دماءه، وخانوا العهد، ومن الغباء مقاضاتهم، فترسب اليأس في عمقه، واشتد طغيان القهر، فلم يمنحه فرصة تحقيق أحلامه ومساعدة عائلته، وامتد مصيره مأسورا، أكثر من عشرين عاما، في بقعة لا توجد بالعين المجردة..
لقد أحكمت أيادي الشر ضربتها، وأوصدت خلفنا كل المخارج، لا لشيء إلا لأننا رفضنا اغتصاب لقمة العيش، ولم نكترث لغدر الزمن وجشع حفدة أبي لهب..
مع مرور الأعوام، خفت تدرجيا حرارة مراسلاتنا، وفي يوم، يتناهى إلى سمعي هديل يمامة حزينة، اخترقت سكون غرفتي، وبصعوبة تقدم لي تعازي عبد الله، ومواساته الحارة في وفاة والدي، عبارات مشحونة بحزن حارق، وبعدها بثلاث سنوات، يتوصل بتلغراف يحمل جنازة والده، وتنقطع الأخبار..
ولا يزال عبد الله محاصرا هناك، وفي البيضاء الحاضنة لكل غريب، يشتد الزحام والتلوث الخلقي، وأنا أمارس اختفائي، أعيش الغربة، خلف الصمت، لعلي أتفادى صيحة ديك مأجور قبيل بزوغ الصباح الآتي..
وتمضي الأيام، بمزاج قاس تشق مرورها العنيف، وكلانا يترقب انفراج مصيره، إلى أن نطق الصمت!!    

محمد رياضي        
الدار البيضاء، شتنبر 2011

     
 تبدأ أحداث القصة مع أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، وتستمر إلى يومنا هذا!             

حيرة وجود..

  حيرة وجود .. سمة حورية أسطورية، وعناد نخوة جاهلية، وكبرياء أنثى إنسان، بملامح طفلة غامضة دائمة الحزن والابتسامة، صادفها في حيرة وجود، تا...