Wednesday, September 28, 2011

EDGE OF DESPAIR! !حافة اليأس

   إهداء: إلى أرواح جرائم الاختفاء القسري، ضحايا غياهب الظلم القاسي،
وتحية إلى الذين فضلوا المعاناة على موت الإحساس الوطني في عهد القهر الصعب،
وفي عهد المصالحة، رفضوا الاستغناء على حساب بطولات وهمية.

حافة اليأس!

بيت بسيط، يملأ فضاءه هدير ناعورة الحرمان، أركانه معبقة برائحة الجوع، لفحت حرارة العوز صباغة الجدران وجلد ساكنيه. الفقر يأسر العائلة، ويطبق على أنفاسها، يخنقها بقبضته الخشنة، ليستدرج أفرادها إلى المساومة والخطيئة؛ يمتعض بعضهم من كفره، وظلم ما يقترفه في حقهم، فيعقد العزم على ممارسة تسلطه القاسي، ويسلبهم، بلا رحمة، أمال الانفلات من مخالبه المعقوفة.

 عبد الله، أحد أبنائها، قليل الشكوى وطباعه هادئة، من حين لآخر،  تخونه مسحة حزن، تفضح ما يعتلج في صدره، ويكابر كي لا يفقد هدوءه، ويؤسر اسمه في سجل المغضوب عليهم؛ سجل أحلام اليقظة، يضم روايات ألف ليلة وليلة غريبة الأطوار، ضحاياها لم تستلطفهم أهواء شهريار، فدبرت لهم حيلا، يصعب تخيلها.
في لحظات السكون والمنام، وقبيل زغرودة ديكه العجيب، تُختطف أحلام مزعجة، وتجهض في جحور مجهولة، وأمال بسيطة توأد في مهود موقوتة، قبل بزوغ أصباح الليالي.. وتنوعت الحكايات.. قيل.. وقيل .. وقيل..
وقيل.. توصل شاب في مقتبل العمر، على حين غرة منه، بدعوة للالتحاق بإحدى الإدارات المركزية في العاصمة الرباط،  غمرت الشاب الفرحة قلبه بالوظيفة التي هوت عليه فجأة، من حيت لا يدري، بعد عناد شاق، وابتهجت أسارير أسرته بالهبة السماوية.
في اليوم الموالي، بحرارة حضن أهله، وبسعادة عارمة ودع الواحد تلو الواحد، وتوجه إلى محطة الحافلات المتواجدة آنذاك في درب بن جدية، وسط الغولة البيضاء؛ جحيم فوضى وتلوث خانق، ضجيج محركات الحافلات، عويل الباعة، أنين التسول الممتهن، إشارات عيون محترفي رياضة الأصابع، وصياح الوسطاء، وجوه مقهورة، تتطفل على المسافرين، عندما يستوقفك أحدهم، لا تدري أهو وسيط أم لص سفاح، تغزوك نظرات تلمع فيها لهفة الاقتناص، واختلاس عرق الفقير واليتيم والأرملة، فيلفحك شعور الاحتراس، كأنك أمام أخطر المجرمين.
ساق أحدهم الشاب إلى حافلة متوجهة إلى الرباط، مؤكدا له، بقسم اليمين، أنها ستغادر المحطة في ثوان معدودة؛ اختار الشاب مقعدا داخل الحافلة، وقبل أن تتحرك العجلات بنصف ساعة وأكثر، رفرفت به تخيلاته بعيدا، طارت به إلى الفضاء الفسيح، عاش حالة استرخاء سعيدة في زمن لم يأت بعد، رأى نفسه أسعد شاب في العالم، وفي الطريق صاح ديك شهريار ، هذه المرة، في عز النهار،  فارتطمت أحلام الشاب على الأرض، واختفى عن الأنظار..
بعد أيام، أشاعت أطياف شهود عيان قصصا عن الشاب المختفي؛ حكايات تختلف في الوصف وطريقة ألحكي، كل راو تفنن في سردها بهاجس خاص، لكن كل الروايات تتفق في الوقائع والاختفاء، مفادها أن حاجزا أمنيا أوقف الحافلة، صعد شخصان عديما الإحساس، تفحصا بنظرات آلية وجوه الركاب؛ نظرات مقطبة الجبين تخترق محاجر عيون الركاب كأنها ماسحة الضوء تبحث عن سر هارب؛ ارتعشت مفاصل الحافلة، وانتاب المسافرين الارتباك والخوف، وساد صمت ثقيل داخل الحافلة، وتسارعت دقات قلوب الركاب، تنبض وكأنها قلب واحد، ونظراتهم تستقصي حل اللغز الغامض. توقفت العيون الماسحة عند الحالم، الذي بدا من الواضح أنه لا يملك فكرة عما يحصل، تقدم  إليه الآليان وطلب منه أحدهما بطاقته، بسرعة ودون تردد، والابتسامة تعلو محياه، مدها الشاب إليه، رمق صاحبه بنظرة، وأمراه بالنزول. وببراءة طفل ساذج صار بينهما، لا يدري ما ينتظره، ربما اعتقد حينها أن هناك حفلا رسميا احتفاء بقدوم الموظف الجديد. وبتثاقل تحركت الحافلة، وهي تحتبس في صدرها شحنة من الخوف، وبعد لحيظات انفرجت الطريق أمامها، وتعجلت هاربة من صاعقة وشيكة الانفجار؛ ومنذ ذلك الحين، لم يظهر للحالم  أثر.. وتنوعت الحكايات..
منذ صغره، كان عبد الله يحب القراءة الحرة، كنا نتقاسم لهفة القراءة، تلقائيا، ودون تأثير أحد، تعلم لغة المستعمر من قصص مصورة رخيصة كروديو، كيوي، زومبلا.. كان يستعيرها من بائع "عباد الشمس" القريب من البيت.. بعد أعوام، لم تعد تروي ظمأه، فأقبل بنهم على ابتلاع القصص الفرنسية بغية إتقان لغة موليير، وجد فيها ضالته، وتميزه اللغوي، لم يمل من التكرار على مسامعي:
"إنها لغة العصر، يا صديقي محمد، لسان الحاضر والمستقبل..  مكّنت أتباعها من زمام الأمور بعد رحيل آخر جنود بونابارت، فجعلوها معيارا لاجتياز المعابر، واختراق الأبواب.."
"إنك تهدي..اللغة لا علاقة لها بذلك.."
بالنسبة له، لغة موليير وسيلة ومفتاح الفرج، كل الفروج، فتعود أن يفكر بها، ويخطط بها خواطره ومناجاته.. وينسج ملامح الحبيبة التي لم يلتق بها أبدا..
خلال سنوات الدراسة، لفه شعور التفوق والامتياز، وبحماس عارم عاند اليأس لينال جوازات المرور السنوية،  لعله يتمكن من تخليص إخوته من سطوة الفقر، غالبيتهم عصافير صغيرة، تزقزق وترمق فراغ وكرها البئيس، تترقب معاش الوالد، نسيم عابر،  يلطف الأجواء، ويخفف من قيظ الحرمان، خلال فصل ربيعي مضطرب الأجواء، يدوم أسبوعا واحدا كل ثلاثة أشهر. وتستمر المعاناة، ويزداد الفقر تعنتا وبطشا، وتزحف الديون، وتتراكم ككثبان رملية، تبتلع الأخضر واليابس، فشمرت الوالدة عن ساعديها لتصد التصحر عن صغارها، رضيت المسكينة بالقسمة والنصيب، وتعايشت مع البؤس الشرس، رغم مرض السكري الذي ينخر دمها رويدا رويدا، وغالبا ما كانت تردد علينا، وبقناعة من استسلمت لحالها، وهي توقع ابتسامة باهتة على ثغرها:
- "لا تنصاعا لليأس، جاهدا واجتهدا لتمتطيا صهوة الشهادة الكبرى!!"
 براءتنا كانت أصلب من الجوع، فلازمنا الفقر دون تدمر واستياء، وسارت السنون مسرعة، ونما وعينا بأبعاد الكلمات، وقناعة الموقف، فتوغلت فينا هموم الواقع المتعدد الأقنعة، الممتلئ بالصراخ، والهيجان، والزفرات الملتهبة..
في الباكلوريا، مع بداية الثمانينات، تأزمت أوضاعه الصحية في فترات متتالية، أثرت سلبا على امتحانات الدورة الأولى والثانية، لم يستسغ رسوبه، فخمدت فيه رغبة التحدي، وبدت حياته لا معنى لها، لكن مضايقة التصحر حتم عليه منازلة القدر القاسي، وبات من الضروري خوض غمار مباريات، أعلن عنها وقتها على صفحات بعض الجرائد الوطنية لولوج إحدى الوزارات، شاءت الصدف أن تكون وزارة الرعب، سيدة الوزارات الرهيبة. اضطرب وتحرك قلبه للإعلان، واجتاحته ثقة عمياء بالنجاح وكسب الرهان، فأكثر المواد بالفرنسية، وعربيته مقبولة، وثقافته واسعة مقارنة بأقرانه..
 تحقق المبتغى، وتم قبوله في مدرسة التكوين التابعة للوزارة الحديدية، ومن أجل المصاريف الأولية،  استطاع الوالدان أن ينتزعا من عمق الفاقة بعض الدراهم، لاستثمارها في هذا المشروع، لعله يثمر، ويخفف من القهر الصعب في المستقبل القريب، يطول انتظاره عامين!
في فصله الدراسي الجديد، فوجئ عبد الله ببعض زملاء الدراسة، المستويات السابقة، وجوه ألفت الخمول والكسل، تعرفه جيدا، وتخجل منه، ومنها من تمقته غيرة لتفوقه، لا تجيد العربية وبالأحرى الفرنسية، لكنها تؤمن بالخضوع والتملق، ثقافة جيل السياسة الجديدة، وقد استطاعت أن تسلب البساط من تحت مؤخرات مستحقيها في ظروف خفية؛ تبادر إلى ذهنه السؤال، ولم ينبش عن الجواب، ليتفادى نعته بالحاسد الحقود، إيمانا منه أن الأيام كفيلة بغربلة النبهاء منهم،  وبنبرة ازدراء قال:
-         "لا أعتقد أنهم سيذهبون بعيدا."
وبجفاء رددت عليه:
-         "كل شيء ممكن في سوق المقايضة !"
وتمضي الشهور، لم تستطع الحياة غوايته، وإزاغته عن حلمه المعتقل في زمن لم يحن بعد، فكره مشغول بمحاولة التسلل إلى المستقبل القريب، بعد عامين؛ نسي الجوع، وأطلق عنان خياله يسابق الزمن؛ من حين لآخر، ترتطم سذاجته على جدار الواقع المعقد، وتندثر بكاملها، لكن وطأة الرغبة الجامحة تجمع أشلاء أحلامه، ويرممها بنفس جديد، قلبه ينبض بالعناد، مهووس ب "متى تنتهي السنتان؟"، مدة التكوين، ويقفز الحاجز، لتضمه سيدة الوزارات إلى أحضانها، وينتقم لأيام البؤس والشقاء والتصحر.
أما أنا فاخترت الإبحار في عالم شيكسبير، ونلتقي، في كل مساء، بعد العشاء، نقضي ساعات طويلة في الطريق، المجاورة لمقبرة سيدي عثمان بالبيضاء، كانت مهملة آنذاك، شبه خاوية إلا من نباح الكلاب، ومواء القطط، وهراء السكارى، وعيون ماكرة التربص في الظلام، وأشباح مثلنا، هنا وهناك، فرادى، مثنى وثلاثا.. سلمت أقدامها للطريق، تعد الخطوات ذهابا وجيئة، تشق طريق الأمل تحت أضواء مصابيح خافتة تبعث اليأس والنفور. نمشي.. نمشي.. ونتوقف تارة، ونتجادل تارة أخرى..  يطول مشينا، ويطول جدالنا، ولا نفترق إلا في الساعات الأولى من صباح اليوم التالي..
 تجربتي الجامعية شابها إرهاب مبيت،كاد أن يودي بحياتي داخل إحدى الحفر المنعزلة في أعماق الأرض، تتعانق فيها الظلمة، البرودة، الغموض، وصراخ النزلاء.. انكمشت داخل الصمت، ونفدت بجلدي، وهرولت مذعورا كالمطارد من تنين أسود مسعور من رؤيتي، حاولت ما مرة إثبات براءتي، وفي كل مرة أجد نفسي معلقا بين السماء والأرض، أنتظر من ينتشلني من مصير رهيب، أكيد، أيادي الشر تتحرك في الخفاء، وتعيق حريتي الذهنية!! وهامت بي خطواتي في اتجاهات مختلفة، أراوغ شياطين التصيد والانقضاض على الضحايا، وانصهرت في الزحام، أمارس عنادي الخفي، أبحث عن أحلامي المضطهدة..
 مع توالي الأيام، طغت أيادي الشر في الدهاليز، وانتشرت أصابع الخطيئة، فأرخت بضلالها الخانقة، ونادرا ما ألتقي بمن استعصى على الشر ترويضه، من مظهره البسيط، وسلوكه المتواضع، يتضح لملاقيه أنه محاصر في درج مكتب أحد حفدة أبي لهب،  يضرب العنف في عمقه، ولم يستسلم!
إيمانا بنصيحة الوالدة، في صمت، تحملت، أنا وصديقي عبد الله، خبث أيادي الشر، صعقاتها، ابتزازها، واستغفالها لنا؛ مع توالي حالات القهر أخذ النفور يتفاقم في دواخلنا، وتعايشنا مع استبداد القهر الصعب، فعلت قهقهاتنا، وسخرنا من الحياة، من الإنسان، من القدر، ومن آلهة كل الأزمنة..
حلت الامتحانات، وعلى عبد الله أن يجتاز المعبر الحدودي بين زمان وزمان، وكل ما يشغله كسب تأشيرة المرور، فقد علم أن من عادة مدرسة الوزارة القوية أن تعين الناجحين بأعلى النقط في المراكز التي وقعوا عليها في استماراتهم. أتذكر غبطة صديقي بالنقطة العالية التي نالها، وراح في سبات عميق، وبصعوبة أيقظته مرات، وددت إقناعه على تغيير موقفه، لكن دون جدوى، ولا يزال صدى دردشاتنا يخترق مخيلتي:
-"عليك أن تبحث في أمر التعيين، يا أخي عبد الله!"
-"أنا واثق بأنني سأعين في إحدى المراكز التي اخترتها في المدينة الأم."
-"لا تحلم، فأناملهم الخبيثة لا ترحم أمثالك! أريد أن أقول أمثالنا!"
وبحزم وثقة لا حدود لها:
-"لماذا ؟ لماذا؟ نحن لم نقترف أي إثم يذكر! لا! لا يستطيعون، فالنقطة هي المقياس، ولدي أعلى نقطة، صدقني يا أخي محمد."
-"إن حفدة أبي لهب لا يهابون الله، وخبثهم يقبر كل يقين!"
وبهدوء من يثق في نفسه:
-"أنا واثق، اسأل بنفسك لتتأكد من الأمر."
-"شيء واحد أنا متيقن منه، علي أن أشتري لك صينية من النحاس، ودزينة من الأقداح، وبراد، وشمعدان نحاسية، وطبق خبز من القصب، وخيمة، وحمار، ودفتر من الحجم الكبير.. أكيد ستحتاجه لتدوين مذكراتك!"
وباستغراب:
-"لماذا ؟"
-"فقط لأن جشعهم لا يرحم أمثالك!"
-"إنك تبالغ!"
رفض بشدة، وبعصبية أصر على موقفه، متشبع به حتى النخاع، ولا أحد يستطيع أن ينتزعه منه، إلى أن  أتى اليوم المعلوم، الذي ذكرني بوثيقة وعد بلفور المشؤوم، أتت التعيينات، التي صلبت الفرحة في عمق الإحباط القاتم، وارتسمت على وجه صديقي علائم الاستغفال، والشماتة، والغدر؛  تلعثم في قراءة التعيين، شفتاه ترتعشان، يداه ترتجفان، دقات قلبه في سباق مع لمعان البرق، وعيناه متجمدتان على الورقة، وبالضبط على الاسم الغريب، بالكاد يتمتم الحروف.. ..  ..!!! أحس بخيبة أمل تنزرع في وجدانه، كاد أن يسقط على الأرض من هول الصدمة الغادرة، تبسم في فتور، محملقا بذهول في عيني الدنيا الماكرة، مغمغما بين شفتيه:
-"إنه زمن العجائب يا صديقي الوفي!!"
وهمست في أذنه اليسرى:
-"بل إنه زمن الرذيلة يا صديقي العزيز !!"
بحثنا عن هذا الاسم الغريب في الخرائط الوطنية التي وقعت بين أيدينا، لم نعثر له على أثر، والله لم نعثر عليه! فارتأينا الذهاب إلى مصلحة الخرائط التابعة للولاية، هناك، احتجنا لمن يوجهنا، فتلقفتنا أصابع الشر، سهلت علينا المأمورية، لكن مقابل عشرة دراهم، موظف بخيل لم يرأف لحالنا، ولا لصغر سننا، انتزعها برمشة عين، ودسها في جيبه الوسخ، وهو يمدد عنقه للأعلى، راميا نظراته يمنة ويسرة، كعاهرة تتوخى الحذر من أن تضبطها دورية للشرطة؛ بعدئذ، تبين لنا، في خريطة جد مدققة، أنها نقطة ضائعة في السراب؛ جمد عبد الله في مكانه، مسلوب القدرة على الحركة، كالمصعوق بضربة كهربائية قوية، جلجلت أركانه، قذفته أيادي الشر بقسوة شرسة، فاقت رمية المنجنيق، وهبت عاصفة أثارت زوابع الألوان القاتمة، بعد لحظة، ساد المكان سكون الموت، كأن شيئا لم يقع، لتتكشف له، فيما بعد، حقيقة خيبته.
-"صديقي، إنه المنفى.. أبعدت عن العائلة، عن الأهل، عن الأصدقاء، عن الأصل.. مجبر سأرحل، يا أخي!"
-"ليس لك اختيار يا عبد الله.."
-"بعد سنتين أو ثلاث سأطلب الانتقال.."
-"ربما يسمحون لك بذلك!"
-"من حقي!"
-"حقك اغتصبوه أكثر من مرة."
-سأعود إن شاء الله!"
-"إن شاء الله!"
مرت الأيام، والأشهر، والأعوام، لم يحتمل خلالها عبد الله المكوث في المنفى الإجباري بدون ذنب اقترفه، فقام بمحاولات يائسة في المنعطفات المظلمة، التي يحتكرها عبدة الشيطان، لعله يستبصر شرخا في الفراغ الدامس،  يتسلل منه ويعود إلى البيضاء، مهما كلفه ابتزاز حراسه، استبدت به فكرة العمل بالمثل، لقد أدرك أخيرا أن لا شيء بدون مقابل، ومن حينها، لم يتوقف عن قرع الأبواب، والاستسلام لشروط سماسرتها، استغلوا سذاجته واحتياجه للدفء والاستقرار فامتصوا دماءه، وخانوا العهد، ومن الغباء مقاضاتهم، فترسب اليأس في عمقه، واشتد طغيان القهر، فلم يمنحه فرصة تحقيق أحلامه ومساعدة عائلته، وامتد مصيره مأسورا، أكثر من عشرين عاما، في بقعة لا توجد بالعين المجردة..
لقد أحكمت أيادي الشر ضربتها، وأوصدت خلفنا كل المخارج، لا لشيء إلا لأننا رفضنا اغتصاب لقمة العيش، ولم نكترث لغدر الزمن وجشع حفدة أبي لهب..
مع مرور الأعوام، خفت تدرجيا حرارة مراسلاتنا، وفي يوم، يتناهى إلى سمعي هديل يمامة حزينة، اخترقت سكون غرفتي، وبصعوبة تقدم لي تعازي عبد الله، ومواساته الحارة في وفاة والدي، عبارات مشحونة بحزن حارق، وبعدها بثلاث سنوات، يتوصل بتلغراف يحمل جنازة والده، وتنقطع الأخبار..
ولا يزال عبد الله محاصرا هناك، وفي البيضاء الحاضنة لكل غريب، يشتد الزحام والتلوث الخلقي، وأنا أمارس اختفائي، أعيش الغربة، خلف الصمت، لعلي أتفادى صيحة ديك مأجور قبيل بزوغ الصباح الآتي..
وتمضي الأيام، بمزاج قاس تشق مرورها العنيف، وكلانا يترقب انفراج مصيره، إلى أن نطق الصمت!!    

محمد رياضي        
الدار البيضاء، شتنبر 2011

     
 تبدأ أحداث القصة مع أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، وتستمر إلى يومنا هذا!             

Thursday, September 15, 2011

الدراما التلفزيونية المغربية! 1


إهداء: إلى روح الفنان المبدع محمد عصفور، إبراهيم السايح، محمد الركاب، محمد بوعناني، إدريس التادلي، العربي بن تركة، مصطفى التومي، عبد الرحيم إسحاق.. وغيرهم من جيل الرواد والتضحية في العملية الإبداعية المغربية، السينمائية، التلفزيونية، المسرحية، والنقدية..  
وتحية تقدير إلى الفنان والمثقف المبدع الطيب العلج، الطيب الصديقي، نورالدين الصايل، جيلالي فرحاتي، شفيق السحيمي، محمد حسن الجندي، فريدة بن اليزيد، محمد باكريم، حمادي كيروم، خالد الدامون، مصطفى المسناوي،  الزوبير بن بوشتى، محمد بوغابة، عبد القادر لقطع، علي أسماعي.. وغيرهم من رموز استمرارية شعلة التضحية من أجل إبداع مغربي متميز..     

أوراق:
الدراما التلفزيونية المغربية !
عرفت الساحة الدرامية التلفزيونية، منذ بداية الألفية الثالثة، انتعاشا ملموسا، أغنى الخزانة التلفزيونية بتراكم من الأعمال الدرامية المغربية، ولأن الإبداع الحقيقي يتمثل في الكيفية وأسلوب صياغة الحبكة الدرامية بصريا، لم يستحسنها ويتفاعل معها المشاهد المغربي، فمجمل الأعمال، أقول مجمل، لم ترق إلى مصداقية الإبداع الدرامي، لأنها تفتقر إلى  تناغم مكونات السرد الفيلمي، بين النص الدرامي والرؤية الإخراجية، في تناول ومعالجة قضايا وحالات سيكولوجية، وطرح الأفكار والمواقف ووجهات نظر.
من المسؤول؟  هل يرجع ذلك لضعف السيناريو ومقومات البناء الدرامي؟ أم لضعف الرؤية الإخراجية ؟ أم للجشع والتطفل على الإنتاج؟ أم لغياب إستراتيجية عمل واضحة؟ .. من المسؤول في تشويه وجه الدراما المغربية؟ ..

الورقة 1) السيناريو: موهبة، ثقافة، خيال، تقنية ومسؤولية 
كتابة السيناريو ليس فنا بلاغيا، يشترط أستاذا جامعيا، أو أديبا، أو فنانا، بل فن قائم بذاته، له شروط وقواعد، بالإضافة إلى الموهبة، والثقافة السينمائية، التي تنمي مخيلة السيناريست، وتقوي معرفته بالسيناريو ومكونات البناء الدرامي. ولأهميته كأرضية وأساس مشروع عمل فيلمي، قيل الكثير عن النص اللغوي الدرامي، وحملوه مسؤولية ضعف الفيلم المغربي، وفي الحقيقة  السيناريو بريء براءة الذئب من دم يوسف (عليه السلام).
أزمة النص !
أعتقد أن أزمة  النص، الذي يحسب على ضعف الفيلم المغربي، هي أزمة عالمية، ولتجاوزها تقوم شركات الإنتاج في أهم عواصم الإنتاج العالمية، بشراء الأفكار المقبولة مبدئيا،  ويقوم كتاب متخصصين في الكتابة الفيلمية، يعملون لصالح تلك الشركات، بتعديل تلك الأفكار، وصياغة قصص درامية بصريا، تعتمد حبكة درامية مقنعة. ونحن في المغرب، لا نزال في مرحلة ما قبل دخول مدرسة السيناريو، رغم وجود أسماء غالبيتها مفروضة بعقلية التراضي الانتهازي، وأخرى، ناذرة، بعناء تميز حضورها بقوة المعرفة والبحث وطرح الموقف، فمبادرة التلفزيون دعم قوي لنشأة وتكوين المنتوج الدرامي الوطني، وتفعيل دينامية التنافس لتطوير آليات الكتابة الفيلمية واللغة البصرية الدرامية التلفزيونية والسينمائية على العموم، مضمونا وشكلا، لكن كثافة الإنتاج ليست بالضرورة حالة صحية، فالمحسوبية والانتهازية تفتح شهية جشع من هب وذب لقضم قطعة من كتف "تشجيع المنتوج الوطني"، إلى درجة اشتدت شهية المتطفلين على الفن، فأفرخت التجربة من يجمع  بين السيناريو، والإخراج، والإنتاج،  وضاعت جودة الدراما مع حسابات مزاجية ونزوات جيوب المتطفلين.
السيناريو وغياب اللغة الفنية والجمالية..
لم يتمكن السيناريو، لحد الآن، رغم دعم التلفزيون، أن يحدد معالم شخصيته، وتُحمله جهات أخرى، محسوبة على الفن وخواطر صحفية، مسؤولية العلة المرضية التي يعاني منها الفيلم المغربي؛ وفي الحقيقة، النص الدرامي، الملقب عالميا بالسيناريو، بريء من التهمة،  فالسيناريو له شروطه الخاصة، إنه المادة الخام لأرضية مشروع فيلم بصري،  إنه الهيكل العام الموحد  لنسق منظوم بين الكل وأجزائه، من خلال وحدات بنائية مترابطة تدعى المشاهد، محددة بالزمكان،  تقدم الشخصيات وحواراتها، تحركها دوافع خارجية وأخرى داخلية، في إطار صراع درامي تصاعدي،  يندفع تدريجيا نحو الحل والنهاية، وذلك بأسلوب سلسل وترتيب محكم، بعيدا عن الافتعال والمباشرة. يعتد خطا قصصيا دراميا ينفرد بأسلوب لغوي سلسل، يختلف عن الأعمال الأدبية الأخرى، التي تعتمد على متعة القراءة وجمالية اللغة، يستخدم كلمات مركزة، وفقرات مقتصرة، في إطار مشاهد مرتبطة في تناغم منظم،  تحكي، في تصاعد درامي محكم، تطور أحداث القصة والشخصيات، انفعالاتها، وصراعاتها، وحواراتها، وضبط النقط الزمنية في تحول الأحداث واندفاعها إلى التصعيد ثم إلى الحل؛ والتمكن من ضبط  أسلوب  النص الدرامي، ومعرفة مكونات البناء السردي، لا يتوقف فقط على معرفة قواعد كتابة السيناريو، أو دراستها، وإنما أيضا على الموهبة، والمخزون الثقافي، والاجتهاد الشخصي للسيناريست، فثلاثية البناء السردي للحكاية عند أرسطو، بداية وسط ونهاية، لم تنزل من السماء، وإنما، أكيد، نتاج التطور التاريخي للعصور الثقافية الفكرية والأدبية والفنية السابقة، واجتهاد أرسطو، جسر التواصل الفاعل في استمرارية عملية الاحتكاك والتطور إلى العصور الموالية، ثم  إلى ما وصلت إليه في العصر الآني. فأساسيات الأسلوب الفيلمي،  يستمدها كاتب السيناريو، المثقف المتمكن، بالأساس من الاجتهاد الشخصي، والتراكمات الأدبية والفكرية والفنية التي تختزلها ذاكرته من تنوع المرجعة الثقافية والمشاهدة المستمرة المتنوعة الأصناف الفيلمية. وعند خوضه كتابة نص درامي، تطول معاناة آلام المخاض ساعات وساعات ، أيام وأيام ، شهور وشهور، يستشير  فيها السيناريست، الموهوب المثقف، الحكايات، والقصص، والتجارب الإنسانية، ويستفسر الكتب، والمجلات، والمتخصصين وغيرها، يتقصى أثر الدواء الفاعل لتنشيط شرايين الحالة الصحية لاستحمال وجع المخاض بسلام،  وتجاوز مشاعر الخوف والألم لحظة الولادة المهيأة لمشروع فيلم تلفزيوني أو سينمائي.. وبعدها، تأتي مرحلة الانجاز البصري فلسفيا، وفكريا، وجماليا، التي تعهد إلى فنان مثقف له رؤية، ومتمكن من أدواته الإخراجية.
إن لم يستطع السيناريو المغربي أن يرسخ شخصيته بعد، بالشكل المحترم عالميا، فالسبب يعود إلى المتطفلين ، الذين قفزوا إلى فوضى سوق "تشجيع المنتوج الوطني"، يتباكون، يتمسكنون، ويتوسلون، ويتحينون فرص التسول في مستنقعات الصفقات المشبوهة. فغالبية ما قدم ليست بنصوص درامية، وإنما مجرد أفكار بسيطة لم تتبلور إلى مستوى نص درامي، وإن وجدت بعض النصوص، الصالحة كمادة خام أولية لمشروع فيلم درامي، فإنها لم تجد مخرجا فنانا، يعيد قراءتها، وتعديلها وفق تصور درامي خاص، فنيا، ومعرفيا، وجماليا، يجعلها أكثر إثارة وتشويقا بصريا، فصورت كما جاءت في كتابتها الأولية.
جفاف الخيال البصري:
فبعد سنوات من دعم التلفزيون، للدراما المغربية، برزت بعض الأقلام النابضة برغبة الكتابة الفيلمية، وتؤمن بأهمية حرفية السيناريو، لكن مواليدها استحوذ عليها  أشخاص، يفتقرون إلى الإبداع الإخراجي، منهم من أسره زمن الرتابة، وخانته الذاكرة، فضاعت منهم قواعد الصنعة والإبداع ؛ ومنهم من  يعاني من جفاف الخيال، ويختفي خلف لغة موليير لاعتبارات وهمية، يدعي أنها لغة الفن والإبداع ؛ وأنا أقول لهم إنها مسألة عقل وخيال وليس لغة، فما يكتب، يا ناس، بلغة موليير يمكن أن يكتب بلغة العم سام، وبلغة الضاد، وبكل لغات العالم؛ وآخرون من النبهاء، بقدرة قادر، باتوا مخرجين، فصوروها كما هي على الورق، لم تتجاوز النسخة الأولية للسيناريو ، فأتت "خزعبلاتهم" فارغة من اللغة البصرية، في الوقت الذي يفترض فيه على المخرج، في إطار ميثاق التكامل المهني، على الصعيد العالمي، في الصنعة الفيلمية بين السيناريست والمخرج،  من فهم النص الأصلي، واستيعاب فكرته المحورية، ودعمها برؤية إخراجية درامية يتفاعل معها المشاهد بصريا وعاطفيا وذهنيا.
فضعف الفيلم المغربي، يا ناس، لا يتحمل السيناريو وحده المسؤولية، وإنما من يسترزق بالعمل الدرامي، ويسطو، بقدرة قادر، على السيناريو، ويتطفل، ببركة القادر نفسه، على الإخراج، ويتطاول الحذق منهم، على الإنتاج أيضا، بما فيهم بعض الأسماء التي تعتقد نفسها أهراما فنية، ووهم الأقدمية، يسمح لها بأن تستحوذ على أية كتابة سردية، وتصورها كما هي دون أي تعديل، واجتهاد فني..
من المسؤول؟
الفيلم التلفزيوني عمل متكامل بين السيناريو والإخراج، وما يعانيه من ترهل لا يعود فقط إلى علة في ذاتية السيناريو وإنما إلى ملابسات الصفقة لإنتاج المشروع الفيلمي..  إذن من المسؤول؟
 السيناريو؟
الإخراج؟
الإنتاج؟
التلفزيون؟
الجهة الوصية؟
أم..؟..
فريثما تنتهي تحريات محقق مباحث سري في تحديد المسؤولية، لنستفسر الإخراج في هذه النازلة !

                                                                              محمد رياضي
                                                                           البيضاء، شتنبر 2011

Wednesday, August 3, 2011

! فخ الرصاص

 : إهداء
إلى ضحايا فترة الرصاص، ضحايا الصراصير العفنة، ذنبهم الوحيد أنهم أصحاب مبدأ وحق، آمنوا بالشعار الوطني، وأخلصوا للوطن دون مقابل؛ وبسبب الصراصير العفنة نفذت فيهم جميع أنواع الترهيب، فعاشوا حالة حصار مستمر،  حرية معتقلة، قمة المعاناة، أعنف من السجن والاغتيال..  

نص

فخ الرصاص !

 

صباح منعش، سماء متعجرفة بأناقتها الزرقاء، وشمس بتأن تسدل خيوطها الدافئة، تلعق جسد الأرض المبلل بالندى؛ وبارتياح دلال وغنج الأنثى تنهدت الأرض، وسرت في جسمها حرارة، نفضت عنها خيانة الألوان في دمس الظلام. وكعادتي باكرا، في طريقي الوعر إلى الكلية، هام وجهي المبتسم القلق في عبثية القدر القاسي، وعيناي بحذر تقتفي مواطئ الأمان؛ فجأة، تجهم وجه السماء،  التحمت غيوم صغيرة،  استحوذت على الزرقة،  فهاجت غبار ساخنة تصلي الوجوه، وفي الفضاء تتابعت ومضات خاطفة تعمي البصر، تلاها انفجار غيظ مدمر في أحشاء الأرض، فأحرق أزهارا لم تولد بعد،  وغمرت شوارع وأزقة المدينة سيول عنيفة، جرفت كل ما صادفت في حملتها المباغتة..

 عند عودتي إلى البيت وقت الظهيرة، كانت الوريقة الصاعقة تنتظرني بلهفة حارقة، فأدركني الجزع الرهيب، وشملني صمت ثقيل، اخترقه صوت غريب، أجهل مصدره:
-       "لا دخان بلا نار!  "
فطنت إلى ما يلمح إليه الصوت الغريب، وببرود جاف عمدت إلى تجاهله، فصدني بلهجة حادة:
-       " أصحاب الحال لا يرحمون!"
عندها، مرت برأسي صور لا يتخيلها العقل، اشتدت وطأة الضغط النفسي، وازدادت دقات قلبي، وأنا أضغط على الصاعقة بقوة داخل قبضة يدي، مغمغما كلاما لا معنى له..

في الموعد المحدد، رحت في اليوم الموالي إلى مقاطعة الحي، إلى المكتب المذكور في الدعوة الموقوتة..  متوسط المساحة، لا يتوفر على نافذة، ثمة رائحة تخنقني في المكان، على الرفوف ملفات مغبرة، متراكمة دون انتظام، فاضت بطونها من الحرام، بعضها لا زالت تسيل من أفواهها دماء الأزهار اليتيمة، وأخرى تفوح برائحة الدماء المغدورة. ولجته بخطوات خائفة، توقفت عند مكتب خشبي صغير آخذ في التآكل، الوحيد المتواجد في المكان؛ وبانفعال متظاهر، من على مكتبه الصغير، بحراك بطيء لرأسه، رفع حضرة الموظف الصغير حاجبيه يتفحص من الواقف أمامه، كأنه يتساءل عن الهوية وسبب الزيارة، فمددت إليه الوريقة الوردية الميالة إلى الاحمرار، ما كاد يلمحها حتى تغيرت ملامح وجهه، اكفهرت، وانفرجت،  واكفهرت، واحمرت عيناه ، كأنه رأى ما يثير هيجانه،  ويفقد صوابه؛ بسرعة عصبية انتصب قائما، شاب تقريبا في سني،  يضع ربطة عنق غير ملائمة شكلا ولونا، يظهر أنه حديث العهد بالوظيفة، ومستعد أن  يحرق المراحل ليتخلص من المكتب الصغير المتآكل..  أمعن في بنظرة جاحظة، أحسست بنقمة كريهة في سويداء عينيه، رأيت نفسي فيها حملا وديعا، والذئاب الجائعة تعوي من حولي حتى بح صوتها.. عندما التفت، لم أجد إلا ملفات فارغة، تلهث بشهية كبيرة، كل منها يستلذذني طبقا له، استشعرت حينها أنني في موقف مكهرب لا أحسد عليه! أي هراء مني سيقذف بي إلى جحيم غياهب صناعة الموت،  فأفرغت نفسي من الأحاسيس،  في حين رسم هو نصف ابتسامة ماكرة على ثغره، مسددا أنفه إلى الأعلى، وأخذ يلكزني بلسان سليط، تجاهلته مستفسرا في هدوء في أمر استدعائي. تفحصني بنظرات حاقدة، وهو يوجه الكلام إلى أربعة أشخاص، لم أكترث لوجودهم عند ولوجي المكتب العفن، أعرف منهم شيخ ومقدم الحومة،  أكيد حضور الأربعة ليس بريئا:
-       "ابن ألحرامي! أمثاله من تنكر لوحدة الوطن !"
أصبت للحظة بالصمم، ولا أدري كيف طار إليه سؤالي:
-       "لا أفهم ما ترمي إليه!"
لم يبال بكلامي، وتابع طعني بلسعات لسانه الفاسد، فقلت في نفسي:
-         "منذ النطفة كان سفاحا !"

كان مستعدا ليتربص بكل السنابل الناضجة، التي يثير تواضعها الرعب في أمثاله الصغار، ويحرق بها السنين، ويصعد..  يصعد.. ويصعد.. شعرت بشرك السواد يلفني، وهو يسحق قلبي بهرائه المطبوخ، ويترقب بحماس واضح أن يهوى جسدي على الأرض، فتنقض عليه الذئاب الجائعة، وتنهشه بشراهة، لكن الجسد لم يتعب، ولم أقع،  ظللت قائما أمامه مصفر الوجه، فامتعض من الانتظار المقلق، وبعينين حادتين ركز بصره بين حاجبي، كفوهة مسدس صامت:
-       " عقوبتك تصل إلى تجميد بطاقتك أو نفيك وراء الحياة!"
غرست عيناي في أعماقه، لقد اندمج القزم في دور السفاح المتعطش إلى استخلاص ما يريد تأكيده،  حاولت أن أدرأ شره، ففاجأني بملف محنط، ملف يعلوه الغبار الكثيف، أخرجه من مشرحته، ملف سمين، بطنه متدل من الحرام المفرط.. ملف مجهول الهوية، يبحث له عن اسم وضحية.. عندما صفع به المكتب، طارت الغبار، وتأججت نزوات أبالسة السماء والأرض،  استشممت، حينها، رائحة أوراق موقوتة تمزق الحياة إلى أشلاء، وتختفي في غموض أبدي..  فخيم علي ظلام شامل، وأنا أهمهم بصوت خافت:
-       "أهو حقد الصغار؟ يا لشر الصغار!"
بقيت، لثوان مثقلة بالسكون الملغوم، أحدق فيما حولي من الملفات الجائعة، ونظرات الأشخاص الأربع، ثم أمعنت النظر فيه بعينين باردتين، تذكرت، حينها، حكايات الاختفاء الغامض، عندها اغتصبتني فكرة الانتحار، فهو أرحم من أن أنفى داخل بطاقتي. عند حشرجة الاحتضار انتفضت في داخلي جمرة ملتهبة، صهّرت الرعب المبثوث في العمق، وحتى يخمد الإحساس المتوهج في مهده لاحقني الصغير الشرير بفم، كرشاش كلاشينكوف، من الوساوس المتطرفة، لعلني أقع، ويحشرني في الملف المعد سلفا، ويقف الزمن..
-       " شئت أم أبيت سنسبر أغوارك!"
في ثوان معدودة، تدحرجت أمامي سنوات، من عمري الآتي، في غيبات جحور مسكونة بهستيرية الجلادين اللقطاء، وتساءلت في قرارة نفسي:
-       "أي فساد معقد في هذا الصغير اللعين ! ؟"
لحظة حيرة عصيبة لا أدري ماذا أفعل، فيما تنفع الجرأة أمام العدوانية المبيتة؟ وفيما ينفع الخوف أيضا؟ فالنتيجة واحدة، الضياع؛  بغتة انتفض لساني على وجهه بصراخ حلق في الهواء، وراحة يدي اليمنى تهوي بقوة على مكتبه الصغير:
-         " ليس من حقك أن تشككني في وطنيتي!"
عندها هرع واحد من الأشخاص الأربعة ـ لا أعرفه ـ إلى الإمساك بي، وتهدءتي.. تمزق الصوت، وداخل السكون الرهيب كل شيء كان يفور ويغلي.. لم يستسغ ردة فعلي، و لم ينل مبتغاه، فاهتدت عدوانية الصغير إلى ولي أمري، أنا ابن الثالثة والعشرون..

وفي مساء يوم غائم، لفت الأب الحنون، المؤمن، المسالم، الصبور، المريض بداء السكري، فوارة الرعب والخوف والشك من خياله، وتحيرت الوالدة عند سماعها أهواله المخيفة، فتلحفها، هي الأخرى، الرعب والخوف والهذيان، وهي تولول في صمت حزين، بعينين تائهتين، وقلب مكلوم، خوفا من مصير غامض مفاجئ لوحيد فلذة كبيدها..  عندها، تراءى لي شبح الصغير الحقير يحوم فوق رؤوسنا..

وتلاحقت مناورات الشمامين، وبخطى مترددة مضيت في سبيلي كالأهبل في مدينتي البيضاء، الغارقة في الخطيئة والعشوائية.. خطوات بطيئة، سريعة كالهارب من ظله المشبوه، فعشت حياتي بحرية معتقلة داخل زنزانة متحركة، ومضت الفصول في فصل واحد..

 حرقة الخوف دفعت الوالدين إلى التوسل والاستشفاع بصديق للعائلة، عليم بخبايا الداخلية،  ونقب الصديق بطرقه الخاصة عن جمرة الدخان؛ بعد أسبوع أتى ليزرع الطمأنينة في كياني، وينصحني بأن أنسى ما وقع، وأعتبره مجرد حلم مزعج، وألتزم الهدوء..
- "كن على يقين أنه لو تأكدت الشكوك لما عرفت لك أشعة الشمس طريقا!"
تفكرت مليا، وانفلتت مني نصف ابتسامة خفيفة، وبثقة نفس واضحة قلت له:
-         "لكن لا أستطيع أن أتغلب على حالة الرعب التي عيشني فيها الصغير الحقير!"
عندها، انبسطت أسارير وجهي، فواتتني فكرة الاستنجاد بالعدالة، لترد لي اعتباري؛ تبسم صديق العائلة لسذاجتي، ورماني بنظرة ساخرة، وقهقه بملء فكيه، وبعد أن أشعل سيجارة سوداء، من النوع الرخيص، لاح  بنظرات فاحصة لما حولنا، ومال برأسه نحو  أذني القريبة منه هامسا فيها:
-         "لا تكن غبيا، فقد يصير غير الموجود موجودا! "

ولأخفي بصماتي عن الأكذوبة المنظمة، التي يتفنن فيها مثل هذا الصغير الحقير، تعريت من جلدي في انتظار بزوغ شمس يوم جديد، وتابع وجهي المبتسم القلق مساره، تحت أضواء باهتة، يبحث عن الحقيقة الضائعة، ومن حين لآخر، تنتحر شهب لسبب ضعف تحمله. أكيد، العهد الجديد آت لا محالة !!!
   
                                                         محمد رياضي
                                                       إعلامي
                                                          الدار البيضاء، غشت 2011

(فخ الرصاص!: عن تجربة حقيقة وقعت في بداية الثمانينات!) 

Monday, June 20, 2011

! المواطن الإنسان Citoyen Homme

إهداء:
إلى شهيد العرب طارق الطيب محمد البوعزيزي، الشاب التونسي البسيط الذي أضرم النار في نفسه وأسقط الدكتاتوريات العربية.
نص:
المواطن الإنسان!

 خرج مرغما إلى عالم الحركة والكلمة، يصرخ بكل قواه في وجه الفضاء المجهول، كأنه يحث على مطالب أكبر وأسمى.   منذ البصمة الأولى كان يسترعي انتباه الآخرين بشكل صارخ؛ عيناه العسليتان، كانتا تحملان عدة استفسارات، تستفز المستور الذي يلف حوله، والطبيعة، رغم قسوة الزمن، لم تنسها هواجسها أن تزرع فيه الحدس النزيه، وتلقنه مبادئ ممارسة الحق،  حتى لا يعيش إنسانا مفقودا  يحتقره ظله، ومشى في المجهول! 
بعزة النفس يحمل قدره، وراح يبحث عن البديل لشيء يقلقه، ويؤزمه في كرامته، أدرك أن شيئا سيحدث قريبا، بعد يوم، أسبوع، سنة أو أعوام، ليقتلع الليل من سباته الطويل.. السذاجة وعزة النفس، التي امتصها من ثدي الطبيعة الطيبة، صنعت مفعولها في شرايينه، فكان يمارس في الأعماق رفضا لما يحدث أمامه، فنقبوا عن ثغرات لاغتيال شكوكه اليقينية.. بعفة طرد عن نفسه نزوة لعق رحم الإغراء المثير، وبثقة رفض الرحيل إلى وراء البحر لبناء ما دمرته حروب الأرض العجوز الشمطاء. أحس المرارة تقطر من عيونهم، أدرك، حينها، أنهم سيقذفون به جثة هامدة بعد أن يمتصوا دماءه، ففضل أن ترتوي بها التي أرضعته، وضاقت الويلات من أجل بقائه، وأبى المقايضة مع الذين كانوا يهابون أشياء لا تبعث على الخوف، فتواطؤوا مع إبليس ضده، واستسلموا للخيانة، وتواروا إلى الخلف، تلفهم البلادة، وانتصبوا في أبراج من الخيال، وأفرزوا خلايا تحرص على راحة حماة الفوضى، مما جعل اللصوصية ممارسة عادية أمام أعينهم، فاهتاجت الأرض غضبا صارخا، وقالت للسماء:

ـ "أوصيك خيرا بابني.."

فتمردت السماء، وأمطرت عيونها طوفانا، فغمرته عاصفة القتال، لأنه واثق أن هناك إخوة في الرضاع لن يخذلوه، لقد أقسموا أن يعتقوا كرامتهم التي تعصرها حوافر جائعة متوحشة في زمن حصار الجسد والفكر، فوقف بنفور في وجه الاكتئاب وموت الإحساس، مما أفقد أولئك البلداء واللصوص صوابهم، فصنعوا أقنعة أخرى، وهاجت أشواقهم لموت غريزي. كان يموت لينبعث من أشلائه، ويتوغل من جديد في أحضان الطبيعة، الأم،  يبحث عن المفقود.. يبحثون عن بعضهم البعض عبر الأدغال الموحشة، والفجاج الوعرة، والمصايد المدبرة.. كان يغوص في عمق المعاناة لتحيى الكرامة، واستسلم لنار قدره، وغدا يحترق، وسقطت الأبراج الحديدية، الواحد تلو الآخر؛ ورغم المرارة، مازالوا يشهدون أن بإمكان صاحبنا خلق المعجزات في هذا الزمن الرديء، ومازالوا يشهدون أنه كان فعلا مواطنا إنسانا!

                                                                      محمد رياضي
                                                                   البيضاء، يونيو 2011

Monday, June 13, 2011

!الدبلجة: فن، هوية، واستثمار

!الدبلجة: فن، هوية، واستثمار
قوة تميز العمل المدبلج في حسن اختيار القصة المناسبة للمجتمع، وفي أمانة الترجمة، ومصداقية الدبلجة.

       لم نتساءل مرة إن كان صوت "بيتر فولك"، بطل السلسلة البوليسية المشهورة "كولومبو"، في نسختها الفرنسية، التي قدمت للمشاهد المغربي في بحر السبعينات، هو صوت البطل نفسه، أم استلف اللسان الفرنسي من شخص آخر، كغيره من عمالقة الفن السابع كستيف ماكوين، شارل برونسون، آنتوني كوين، جون وين، كلين استوود، بروس لي، صوفيا لورين.. !؟ أكيد استلف الصوت الفرنسي ليحل مكان صوته الأصلي. هذه العملية تدعى بالدبلجة، ومصطلح الدوبلاج، من أصل فرنسي Doublage، تعني الترجمة الصوتية للعمل الفني، باستبدال اللغة الأصلية بلغة أو لغات بديلة، مسح شامل للأصوات الحوارية الأصلية في العمل الأصلي، وإعادة إنتاج نفس العمل بأصوات ولغات أخرى، لغاية بثه في بلدان لا تتكلم اللغة التي صور بها في الأصل، حتى يتمكن من متابعته وفهمه أكبر عدد من مشاهدي اللغة التي دبلج إليها. وتتم عملية الدبلجة بالنسبة للأعمال الفرانكفونية بالأساس في فرنسا، بلجيكا، وكندا، وتتميز أعمالها بتقنية عالية في دقة تركيب الصوت البديل على الصورة الأصلية، والاستعانة بأشهر الممثلين لتنفيذ عملية الدوبلاج، وخاصة في أفلام الكرتون الموجهة للأطفال، إيمانا بالمسؤولية - فكرية واجتماعية وتاريخية وتربوية - تجاه المشاهد الطفل، رجل الغد القريب..  أما في العالم العربي فلبنان كان السباق إلى فتح باب الدبلجة إلى العربية، وكان الدافع حينها تعويض نقص الإنتاج الدرامي المحلي بإنتاجات قليلة التكلفة، وكانت البداية بدبلجة الرسوم المتحركة في بحر السبعينات، ثم  المسلسلات اللاتينية خلال الثمانينات؛ بعد لبنان تشجعت الأردن ثم سوريا..، وأتقنت بعض مؤسساتها إنتاج أعمال مدبلجة مختلفة الصنف.
ليس الغرض من هذه الورقة استحضار تاريخ الدبلجة، ولا يهم من السباق، وإنما التعريف بهذا الفن، وطرح التجربة المغربية، المولود القديم الجديد، وأفاق نجاحها داخليا، وتحديات فرض الهوية اللغوية في سوق الدبلجة العربية.
الدبلجة  تقنية فنية، وهوية لغوية، واستثمار
       يعتقد الكثيرون أن الدوبلاج  عملية ترجمة واستلاف الصوت فقط، وفي الواقع هي عملية متكاملة ومتماسكة، تضبطها تقنيات فنية ضرورية لإنجاحها كي تظهر وكأنها النسخة الأصلية بالصوت والصورة. فالدبلجة فن صعب من الفنون الحديثة، التي تولد مع ظهور السينما الناطقة، وتطور مع التلفزيون وثورة التكنولوجيا الإعلامية على العموم، حيث تبلورت مهن مختصة بالدبلجة، وأنشأت مؤسسات خاصة بالعمليةDoubleur ، وتطورت آليات الإتقان الفني لضبط تطابق الأصوات المدبلجة مع مشاهد  النسخة الأصلية. فالعملية تحكمها، من جهة، أخلاقيات المهنة، ومن جهة أخرى، قدرات المهارة التقنية، يشمل ذلك أمانة ترجمة النصوص الحوارية، والدقة في اختيار الكلمات، والكفاءة التقنية المتمكنة في المكساج، وتحديد المقاطع الصوتية الملائمة، وحسن اختيار مدير البلاتو، المتعارف عليه دوليا بالمدير الفني، الذي يشرف على مراحل انجاز العملية من البداية إلى النهاية.
بعد التوفيق في اختيار القصة الفيلمية المناسبة للمجتمع، تأتي مرحلة معاينة النسخة الأصلية، وفهم القصة والموضوع، وتركيبة الشخصيات، وعلاقات بعضها ببعض، واستيعاب أبعاد العمل، ثم قراءة النص المترجم، ومقارنته مع النص الأصلي، والموافقة على الترجمة، وبعدها يعمل المدير الفني على اختيار الأصوات البديلة المناسبة، ثم تأتي المرحلة التقنية للدبلجة الصوتية وتطابقها مع النص المصور، تقنية صعبة ودقيقة التركيز، تستلزم توفر مهارات فنية متمكنة. تتم العملية في استوديوهات خاصة، حيث تعرض المادة المصورة، وتخضع عبر مراحل متكاملة لعملية مكساج  الأصوات البديلة، مصاحبة بالموثرات الصوتية الدرامية في النسخة الأصلية؛ وهي المرحلة الأصعب، لأنها تعتمد على ضبط مخارج الحروف والتطابق بين الصوت المسموع وشفتي الممثل في تتابع مشاهد العمل الأصلي. فالدبلجة لا تتوقف عند ترجمة النص الدرامي الأصلي إلى لغة معنية، وإيجاد أشخاص ليقرؤوا النصوص الحوارية المترجمة، وإنما البحث عن صوت الممثل المناسب للشخصية المؤدية في المشهد الأصلي، والشخص الذي يمنح صوته، ممثل موهوب وفنان، على دراية بحرفية العمل الإذاعي، والتلفزيوني والسينمائي، وهذا لا يكفي بل لابد أن يتمتع بالقدرة على التشخيص الصوتي، مما يجعل ضرورة التجربة المسرحية قائمة وملازمة للتكوين الأساسي لشخصيته الفنية. ودور الممثل، الذي يؤدي الدبلجة، لا يتوقف عند قراءة ترجمة ما كتب له من النص الحواري، وإنما يتدخل، إن دعت الضرورة الفنية، لتغيير كلمة وصياغة الحوار  المناسب لحركة  الشفاه ومدة المقطع الحواري في المشهد الأصلي، ولا يكفي أن يمتلك صوتا رنانا، وإنما أن يكون فنانا متمكنا في التعبير الصوتي، والإحساس بالكلمة وموقفها الدرامي ليكشف حالة الممثل في خضم الأحداث الدرامية في العمل الأصلي، فالحوار الصوتي البديل يتقمص شخصية ومشاعر الممثل الأصلي، يتعايش معه في فترته العمرية، وانتمائه الاجتماعي، وتركيبة شخصيته، وعلاقاته مع الشخصيات الأخرى، يعبر عن أحاسيسه وانفعالاته؛ بمعنى آخر، بالصوت يعيش الحالات النفسية للممثل الأصلي، وهذه ليس بالمهمة السهلة.
التجربة المغربية، المحاولة والآفاق
      دخل المغرب في الأشهر الأخيرة، من السنة الماضية، تجربة الدبلجة إلى اللهجة المغربية، ومن الطبيعي أن تثير المحاولة الكثير من الانتقادات، خصوصا وأن لهجتنا، كما يدعي أشقاؤنا في المشرق، صعبة، بل هناك من المغاربة من يشمئز منها، لأن أذناه تعودتا سماع عاميات عربية أخرى، بالخصوص المصرية واللبنانية والسورية والآن الخليجية أيضا، في الوقت الذي ظلت عاميتنا متقوقعة في الحدود الجغرافي للتواصل اليومي الجاف للكلمة. والأعمال التلفزيونية، منذ البدايات، لم تعمل على إنتاج وبلورة عامية تلفزيونية بسيطة، سلسة، ومقبولة؛ فالتمثيليات، أو ما يطلق عليها "سكتشات"، كان ولا يزال، الغرض منها الإضحاك، فكانت تسيء، في مواقف هزلية ساخرة، استعمال العامية لإضحاك الجمهور بعضهم على بعض، إساءة لهجة جهة على حساب لهجة جهة أخرى، إساءة  مست جمهور  الجهات كالفاسي، العروبي، الشلح، الجبلي، وغيرها من تعقيدات العالم المتخلف، الذي ننتمي إليه، فلم تساهم تلك السكتشات في تطوير لغة تلفزيونية نظيفة وسلسة تغزو الآذان والقلوب والعقول المغربية قبل العربية. وذلك غير مستعصي على اللهجة المغربية، لأنها عامية قريبة من اللغة العربية، مشكلتها أنها لم تحظ، على المستوى الحكومات المتعاقبة، بالاهتمام والدعم والترويج لا داخل المغرب ولا خارجه، وتركت في حدود الواقع المعيشي للإنسان المغربي.
مسؤولية ودعم، وتخطيط
      مقارنة مع تكلفة الإنتاج الدرامي المحلي، الدبلجة أقل تكلفة، ودعم التجربة ستنعش مختلف المهن التقنية، المرتبطة بالعملية، مما سيكون له أثر إيجابي في تطوير تقنيات العمل  الفني على مستوى هندسة الصوت والصورة  والتشخيص الصوتي، والإخراج أيضا.. وبصفة عامة على تطوير المهن  المتعلقة بالإنتاج الدرامي التلفزيوني والسينمائي.. تراكم التجارب أكيد سيؤثر إيجابا في تطوير النص الحواري، فبعد ثلاث محاولات، "آنا" و "أين أبي؟" من أمريكا اللاتنية، و"فايدهي" الهندي، يلاحظ أن المادة اللغوية في العمل الثالث أحسن من الثاني، والثاني أحسن من الأول، مع العلم أن  التجربة لاتزل في بداياتها الأولى، وأخذت تستأنس بها نسبة من المشاهدين، وانتقاد التجربة سيساهم في تطور تقنية وفنية المنتوج الدرامي على العموم؛ إنها غيرة المشاهد على لغته الشعبية التلفزيونية، لتفرض وجودها، إلى جانب اللهجات الأخرى، في سوق القنوات العربية.. فمصر الشقيقة، على حد معرفتي، المتواضعة، القريبة من تاريخ الدراما المصرية، لم تضع مخططا لغزو الوطن العربي لغويا، وإنما هناك ظروفا تاريخية وإعلامية ساعدت على تقريب اللغة إلى المشاهد العربي،  حتى اعتاد اللهجة المصرية. نجد في الأساس الأول الراديو ومختلف أغاني أعلام الطرب المصري، ثانيا العروض المسرحية، ثالثا السينما والأعمال التلفزيونية؛ فمثلا على الصعيد السينمائي، كانت الغاية في الأساس دعم الصناعة الجديدة، السينما في بداياتها المصرية، كاستثمار وطني،  مع مرور السنوات هيمنت على السوق العربية، السينمائية والتلفزيونية، كصناعة مصرية الجنسية، أما انتشار العامية المصرية فلم يأت كتمرة تخطيط استراتيجي، وضع في الأساس، من أجل ذلك. وكذلك مع الدبلجة، كصناعة حديثة، لم تكن عند الإخوان اللبنانيين الهوية اللغوية هاجسا في البداية، وإنما لسد نقص في الإنتاج المحلي، ونجحت التجربة، وباتت استثمارا تجاريا مربحا، وهيمنت على سوق الدبلجة، مما دفع  الأردن وسوريا إلى دخول التجربة، وأصبحت اللهجة السورية واللبنانية التلفزيونية مألوفة لدى المشاهد العربي، في حين تركوا اللغة العربية الفصحى للأعمال التاريخية.
محاولة الانطلاق إلى فضاء البيت العربي
       كذلك نحن المغاربة، لا يجب أن نظل سلبيين ومستهلكين لإنتاجات ولهجات الغير، تحت ذريعة لن تتجاوز الدبلجة المغربية الاستهلاك المحلي، وبالتالي فالعملية مكلفة وغير مربحة، لكن بهذه الخطوة بدأ الاستثمار الفعلي في المشرق، وبعد سنوات من العمل الشاق والتضحية انتعشت تجارة الدبلجة. علينا أن نصنع لغتنا التلفزيونية، أن ننقحها ونطورها كلغة تلفزيونية بسيطة، سلسلة، مفهومة، يرتاح  لها المشاهد المغربي، من شماله إلى جنوبه، قبل المشاهد العربي من شرقه إلى غربه.
وتميز العمل المدبلج يشترط حسن اختيار القصة المناسبة للمجتمع، وأمانة الترجمة، ومصداقية الدبلجة؛ وتحقيق هذا التميز يستلزم التضحية، والجهد الشاق، والمسؤولية  المؤسساتية بين  التي تمول عملية الدبلجة، والتي تقوم بتنفيذها، والوزارة الوصية، بدعم حكومي، في وضع تخطيط استراتيجي لترويج المنتوج الدرامي الوطني، وتعزيز الهوية اللغوية التلفزيونية، عربية كانت أم أمازيغية، في فضاء البيت الوطني والإقليمي والعربي، وأنا على يقين، رغم صعوبة التحدي، أنه، بعد 5 أو 10 أو 15 سنة، ستثير اللهجة المغربية اهتمام المشاهد العربي، وتفرض مكانتها في سوق الأعمال المدبلجة.


                                                                محمد رياضي
                                                                 إعلامي
                                                                 الدار البيضاء، يونيو 2011


حيرة وجود..

  حيرة وجود .. سمة حورية أسطورية، وعناد نخوة جاهلية، وكبرياء أنثى إنسان، بملامح طفلة غامضة دائمة الحزن والابتسامة، صادفها في حيرة وجود، تا...